في ريف القنيطرة جنوب سوريا، تتصاعد الانتهاكات بشكل يثير قلقًا متزايدًا، وسط واقع يصفه السكان بأنه سلسلة مترابطة من الممارسات القمعية التي تبدأ بالاعتقال ولا تنتهي عند حدود تدمير الأرض، بل تمتد لتشمل تفكيك المجتمع وتهجير الأسر، في مشهد يطرح تساؤلات جدية حول مدى توافق هذه الأفعال مع قواعد القانون الدولي الإنساني.
تشير شهادات محلية إلى أن عمليات الاعتقال لم تعد حالات فردية، بل أصبحت نمطًا متكررًا، حيث يتم توقيف مدنيين، بينهم مزارعون ورعاة، خلال وجودهم في أراضيهم أو قرب مناطق خط الفصل. وغالباً ما تتم هذه الاعتقالات دون أوامر قضائية واضحة أو معلومات كافية لعائلات المحتجزين، ما يضعها في إطار الاعتقال التعسفي، وقد يرقى في بعض الحالات إلى الإخفاء القسري، خاصة مع انقطاع الأخبار عن المعتقلين لفترات طويلة.
ولا تقف التداعيات عند الأفراد، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي بأكمله. فحالات الخوف وعدم اليقين دفعت بعض الأسر إلى مغادرة مناطقها، خشية التعرض للاعتقال أو الاستهداف المباشر، ما أدى إلى موجات نزوح صامتة داخل المنطقة. هذا التهجير، وإن لم يكن دائمًا معلنًا، يعكس ضغطًا مستمرًا يدفع السكان إلى التخلي عن منازلهم وأراضيهم، بحثًا عن قدر من الأمان.
في موازاة ذلك، تتعرض الأراضي الزراعية، التي تشكل المصدر الرئيسي للرزق، إلى عمليات تجريف وحرق متكررة. مساحات واسعة من القمح وأشجار الزيتون دُمّرت، ما تسبب بخسائر اقتصادية فادحة للسكان، وهدد الأمن الغذائي المحلي. ويؤكد مزارعون أن هذه الأفعال لا تبدو عشوائية، بل تحمل طابعًا ممنهجًا يهدف إلى إضعاف قدرة الأهالي على الصمود في أرضهم.
كما تفرض قيود مشددة على حركة المدنيين، خاصة في المناطق القريبة من خط الفصل، حيث يُمنع الوصول إلى الأراضي في أوقات معينة، أو يتم التعامل مع المزارعين عبر التحذير أو إطلاق النار لإجبارهم على الابتعاد. هذه الإجراءات تجعل من العمل الزراعي نشاطًا محفوفًا بالمخاطر، وتحدّ من قدرة السكان على الاستفادة من مواردهم الطبيعية.
من منظور القانون الدولي الإنساني، تثير هذه الممارسات إشكاليات قانونية خطيرة. فالاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتهجير القسري للسكان المدنيين، إضافة إلى تدمير الممتلكات دون ضرورة عسكرية ملحة، تُعد أفعالًا قد تندرج ضمن الانتهاكات الجسيمة، بل وقد تُصنف كجرائم حرب إذا ثبتت ممنهجيتها واتساع نطاقها. وتؤكد اتفاقيات جنيف على ضرورة حماية المدنيين وممتلكاتهم في أوقات النزاع، ما يجعل أي خرق لهذه القواعد موضع مساءلة دولية.
ورغم خطورة هذه التطورات، لا تزال الاستجابة الدولية محدودة، في وقت يطالب فيه السكان والمنظمات الحقوقية بفتح تحقيقات مستقلة وضمان محاسبة المسؤولين، إضافة إلى توفير حماية فعلية للمدنيين.
القنيطرة اليوم تقف أمام واقع معقد، حيث تتداخل الأبعاد الأمنية والإنسانية والقانونية، فيما يواصل السكان مواجهة تحديات يومية تهدد وجودهم واستقرارهم. وبين الاعتقال والتهجير وتدمير الأرض، تبقى الحاجة ملحة لتحرك دولي جاد يضع حدًا لهذه الانتهاكات، ويحفظ ما تبقى من مقومات الحياة في المنطقة.






