أهالي المفقودين يبحثون عن صور أولادهم بعد تحرير السجون وسقوط النظام السابق

أُعلن مؤخراً عن تشكيل “الهيئة الوطنية للمفقودين” بموجب مرسوم رئاسي واستناداً إلى أحكام الإعلان الدستوري السوري، في خطوة تهدف إلى معالجة أحد أكثر الملفات الإنسانية تعقيداً في البلاد. وأُوكلت إلى الهيئة مهام أساسية، أبرزها البحث عن مصير المفقودين والمختفين قسراً، وتوثيق الحالات، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، إلى جانب تقديم الدعم القانوني والإنساني لعائلاتهم.

ويشمل الدعم القانوني إصدار الوثائق الشخصية والعقارية، وتسجيل واقعات الأحوال المدنية مثل الوفاة والزواج، إضافة إلى تقديم الاستشارات القانونية وتسهيل الوصول إلى التعويضات. أما الدعم الإنساني، فيتضمن خدمات الرعاية النفسية والاجتماعية، ومساعدات معيشية للتخفيف من آثار ما يُعرف بـ”الفقدان الغامض”، وضمان حق العائلات في معرفة الحقيقة.

عائلات تبحث عن حقوقها

في حديثها لـ”مؤسسة جولان الإعلامية”، تروي السيدة فاتن الحاج معاناتها المستمرة منذ عام 2012، حين فُقد زوجها عارف بعد اعتقاله مع والده وشقيقه على يد عناصر أمنية.
تقول الحاج:
“لم نترك باباً إلا وطرقناه بحثاً عنهم، وتعرضنا لعمليات ابتزاز من محامين وضباط دون أي نتيجة. بعد سقوط النظام، ظننا أنهم سيخرجون، لكن الأمل تلاشى”.
وتضيف:
“تركني زوجي مع طفلين، أكبرهما لم يتجاوز ثلاث سنوات. حاولت الحصول على راتبه من المؤسسة التي كان يعمل بها، لكنني طُردت، وقيل لي إنه لا يستحق أي تعويض”.
وتوضح الحاج أنها راجعت لاحقاً الجهات المعنية، إلا أنها اصطدمت بإجراءات معقدة، حيث طُلب منها إبراز شهادة وفاة للحصول على المستحقات، وهو ما قد يفقدها حقوقاً قانونية أخرى.
وتتابع:
“اليوم أقف عاجزة أمام أطفالي. كانوا ينتظرون عودة والدهم، وأنا لا أملك إجابة. لا أعرف متى أستطيع إخبارهم بالحقيقة أو حتى تثبيت وضعه القانوني”.
حرمان من المستحقات
قصة السيدة نوال الكريم لا تختلف كثيراً. ففي حديثها لـ”مؤسسة جولان الإعلامية”، تقول إنها اضطرت لاستخراج شهادة وفاة لزوجها محمد الصالح، الذي اعتُقل عام 2012، أملاً بالحصول على مستحقاته المالية.
وتوضح:
“بعد استكمال كل الإجراءات، فوجئت برفض تسليمي أي مستحقات، بحجة أن زوجي مطلوب أمنياً. وحتى اليوم، أنا عالقة بين وزارات ومؤسسات دون نتيجة”.

ضياع بين المؤسسات
تشير شهادات العائلات إلى حالة من التخبط بين الجهات الرسمية، حيث تختلف آليات التعامل مع ملف المفقودين بين وزارات الداخلية والدفاع والشؤون الاجتماعية، دون وجود مسار واضح وموحد.

ففي حين افتتحت وزارة الداخلية مكتباً للشهداء يشمل بعض فئات الضحايا، أنشأت وزارة الدفاع مكاتب خاصة بجرحى وشهداء المعارك، لكنها لا تشمل جميع فئات المفقودين المدنيين، خاصة أولئك الذين قضوا في المعتقلات.

وتؤكد العائلات أن التسجيل في بعض هذه المكاتب متوقف أو يقتصر على فئات محددة، ما يزيد من تعقيد الوصول إلى الحقوق.

جبر الضرر… حق مؤجل
يؤكد مختصون أن جبر الضرر يُعد حقاً أساسياً لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، ويشمل التعويض المادي والمعنوي، إلى جانب إعادة الاعتبار. كما أن وجود هيئات مستقلة، مثل لجان الحقيقة أو هيئات المفقودين، يُعد ضرورياً لضمان الشفافية والعدالة.
وتهدف هذه الإجراءات إلى تحقيق العدالة الانتقالية، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ومنع تكرار الانتهاكات، بدعم من منظمات دولية والمجتمع المدني.

تُقدّر أعداد المفقودين في سوريا منذ عام 2011 وحتى أواخر 2025 بما يتراوح بين 120 ألفاً وأكثر من 300 ألف شخص، وفق تقديرات “الهيئة الوطنية للمفقودين”، وسط صعوبات في الوصول إلى إحصاءات دقيقة.

كما تم توثيق أكثر من 63 مقبرة جماعية، في وقت يُعتقد أن بعض المفقودين ما زالوا على قيد الحياة، ما يعزز مطالب العائلات بالكشف عن الحقيقة.

مطالب بالمحاسبة والدعم
تطالب عائلات المفقودين، عبر “مؤسسة جولان الإعلامية”، بضرورة محاسبة المسؤولين عن جرائم الإخفاء القسري، وضمان حقوقهم القانونية والمادية، إضافة إلى توفير الدعم النفسي والاجتماعي، خاصة للنساء والأطفال.

ويبقى ملف المفقودين في سوريا مفتوحاً، في ظل غياب حلول حاسمة، ما يجعل معاناة آلاف العائلات مستمرة، ويطرح تساؤلات ملحة حول العدالة والإنصاف، وحق الضحايا في الحقيقة والكرامة.

  • جيهان الخلف بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top