في الجزيرة السورية وتحديدا مدينة رأس العين، الجيرة كانت تسبق النسب، وكانت البيوت مفتوحة للجميع من دون استئذان. عرب وأكراد ومسيحيون ومردلية وششان، نسيج اجتماعي متنوع جمعته أواصر المصاهرة والرضاعة، وعلاقات إنسانية عميقة تجاوزت حدود الانتماءات والمكونات.
وتؤكد السيدة فيروز مولود، من أهالي مدينة رأس العين، في حديثها لـمؤسسة جولان الإعلامية، أن المحبة والمودة بين أبناء المدينة، بمختلف مكوناتها وأطيافها، كانت من أبرز سماتها الاجتماعية، مشيرة إلى أن بعض الأكلات التراثية تحولت إلى وسيلة تجمع الناس حول مائدة واحدة، بما تحمله من معاني الألفة والضيافة وحسن الجوار.
ومن بين هذه الأكلات، تبرز حكاية “الجَلْنَش”، الذي لم يكن عبارة عن طبق يوضع على المائدة، بل ارتبط بذكريات اجتماعية وعائلية، وأسهم في تعزيز علاقات الجيرة والمودة بين أبناء رأس العين.
بين “الجَلْنَش” و”الحلطمش”.. دقة التسمية وأصل الطبق
توضح فيروز مولود ضرورة التمييز بين الأطباق التراثية المتداولة في المنطقة، مشيرة إلى أن “الجَلْنَش” يختلف عن أطباق أخرى، ومنها “الحلطمش” وتقول مولود لـمؤسسة جولان الإعلامية: الجَلْنَش باللغة الشيشانية يعني قطع العجين المشكلة. ويتكون من عناصر أساسية وبسيطة، هي طحين الحنطة الكامل مع النخالة، والماء والملح للعجين، إضافة إلى اللحم المسلوق بالماء والملح فقط، من دون إضافات، ويُقدم مع مرقة الثوم الخاصة به. وتضيف أن “الحلطمش” طبق مختلف من حيث المكونات وطريقة التحضير، موضحة أنه يُصنع من طحين الذرة .
وتشير مولود إلى أن عائلتها من العائلات التي حافظت على طريقة إعداد الجَلْنَش، لافتة إلى أن تحضير الطبق يحتاج إلى مهارة في تشكيل العجين يدوياً على هيئة لفات حلزونية دقيقة، بما يساعد على تماسكه أثناء الطهي ويحافظ على شكله.

“الجَلْنَش يعزم الناس”.. تقاليد الضيافة والألفة
انتقل هذا الطبق مع الشيشان من موطنهم في القفقاس إلى مناطق استقرارهم الجديدة، ومنها رأس العين، ليصبح جزءاً من المائدة والعادات الاجتماعية المتوارثة.
وتروي فيروز مولود أن الطبق ارتبط لدى العائلات الشيشانية بالشتاء والدفء، وبالاعتماد على مكونات بسيطة ومتوافرة، مثل الحنطة واللحم، قبل أن يتحول مع مرور الوقت إلى جزء من الذاكرة الاجتماعية والعائلية.
وعن ارتباط الجَلْنَش بعادات الضيافة، تروي مولود لـمؤسسة جولان الإعلامية موقفاً طريفاً من إحدى المناسبات العائلية، قائلة: ” في حفل خطبة أخي، صادف أننا نسينا دعوة بعض الجيران من الإخوة الششان، وما إن علموا أننا نعد الجَلْنَش حتى أقبلوا يطرقون الباب ويقولون: أنتم ما عزمتونا، بس لأنكم مسوين جَلْنَش نحنا جينا”.
وتضيف: “لذلك كنا نقول إن الجَلْنَش يعزم الناس، لأن رائحته ووجوده على المائدة كانا كفيلين بجمع الجيران والأقارب.
وتشير إلى أن هذه العادة استمرت حتى بعد الهجرة والنزوح إلى دول الجوار وتركيا، حيث بقي إعداد الجَلْنَش حاضراً في بعض البيوت، وتحول أحياناً إلى طقس أسبوعي تجتمع حوله العائلات والجيران.

سر التحضير وطقوس التذوق
لا يعتمد إعداد الجَلْنَش على كثرة المكونات، بل على طريقة التحضير ومهارة اليد في تشكيل العجين.
وتوضح فيروز مولود أن العجين يُحضّر من طحين الحنطة الكامل مع الماء وقليل من الملح، من دون استخدام الخميرة. ويُترك بعد عجنه مدة تقارب ساعتين حتى يرتاح ويصبح أكثر قابلية للتشكيل، ثم يُقطع إلى قطع صغيرة وتُشكّل كل قطعة يدوياً بطريقة حلزونية دقيقة، قبل أن تُصف في الصينية بعناية.
أما اللحم، فيُسلق بالماء والملح، وتُستخدم مرقته في طهي قطع العجين، لتتداخل النكهات بين اللحم والعجين والمرقة.
وتشير مولود إلى أن هناك علامة شعبية متوارثة لمعرفة نضج العجين، إذ يبدأ بالطفو على سطح المرقة أثناء الطهي، ثم يهبط إلى قاع القدر عند اكتمال نضجه.
وعند التقديم، توضع قطع العجين المسلوقة في الصينية، وتضاف إليها قطع اللحم، إلى جانب “زبدية” من مرقة اللحم والثوم، التي تعد جزءاً أساسياً من الطبق وتمنحه نكهته المميزة.
وبسبب حرارة الطبق (سخونته)، يُتناول بالشوكة، حيث تُغمس قطعة العجين مع اللحم في مرقة الثوم الساخنة قبل تناولها.
أما مرقة اللحم المتبقية، فتُشرب في ختام الوجبة بعد إضافة القليل من الفلفل الأسود. وتصفها فيروز مولود، في حديثها الطريف، بأنها ” الكولا أو السفن أب تبع أكلتنا”.
تراث حيّ يحفظ الذاكرة
ترى فيروز مولود أن قيمة “الجَلْنَش” لا تتوقف عند كونه طبقاً تقليدياً، بل تتصل بما يحمله من ذكريات عن الحياة الاجتماعية في رأس العين، وعن علاقات الجيرة والتواصل بين مكونات المدينة.
وتقول لـمؤسسة جولان الإعلامية ، هي أكلة ظلت حاضرة في بال كل من جربها، جيلاً بعد جيل، وبقيت تذكرنا بأن النكهة الطيبة والجيرة الصادقة تبقيان في الذاكرة.
وهكذا بقي الجَلْنَش حاضراً في ذاكرة أبناء رأس العين، حاملاً معه جانباً من المطبخ الشيشاني الذي استقر في المدينة، ومن العادات الاجتماعية التي جعلت الطعام مساحة للقاء والتعارف وتقاسم الذكريات.
ففي رأس العين، لم تكن المائدة منفصلة عن الحياة الاجتماعية، بل كانت إحدى المساحات التي التقت فيها العائلات والجيران، وتداخلت فيها العادات والمكونات، وبقيت بعض الأطباق شاهدة على مرحلة من تاريخ المدينة وتنوعها الثقافي والاجتماعي.

- بثينة الخليل






