صواريخ إيرانية تضرب قواعد أمريكية في المنامة عاصمة البحرين المصدر (رويترز)

لا تُقاس اللحظات الفارقة في تاريخ العلاقات الدولية بحجم الترسانات العسكرية المُستنفَدة، ولا بعدد الرشقات الصاروخية التي تُملأ بها التغطيات الإخبارية اليومية، بقدر ما تُقاس بتلك اللحظة التي يقرر فيها أحد أطراف الصراع إعادة تعريف القواعد الحاكمة للعبة الأشبه بشطرنج معقد. وفي هذا السياق بالذات، تتجاوز التطورات المتسارعة في المواجهة بين واشنطن وطهران حدود التحليل الإخباري العابر، لتفرض سؤالاً حيوياً يتصل بجوهر السلوك الاستراتيجي: هل ما زالت إيران تتحرك داخل الصندوق التقليدي القائم على “الرد المنضبط” على التصعيد، أم أنها عبرت نحو مرحلة ترى فيها أن المبادرة المباشرة أضحت المكون الأساسي لمعادلة الردع نفسها؟

طوال أكثر من أربعة عقود، تحركت الاستراتيجية الإيرانية ضمن هندسة أمنية جرى تخطيطها بعناية فائقة. كان المنطق الحاكم يقضي بأن المبادرة العسكرية المباشرة تظل حكراً على الولايات المتحدة أو إسرائيل، بينما تحرص طهران على صياغة ردودها باعتبارها استجابة اضطرارية ومشروعة لاعتداء سابق أو لخرق صريح لقواعد الاشتباك. أتاح هذا الأسلوب للقيادة الإيرانية هامشاً ثنائياً من المناورة؛ فمن جهة حافظت على خطاب سياسي وقانوني يرتكز على منطق “الدفاع عن النفس”، ومن جهة أخرى تجنبت تحمل الأكلاف السياسية والدبلوماسية الباهظة التي عادة ما يدفعها الطرف الذي يُصنَّف بأنه المبادئ بالحرب.

غير أن السلوك الميداني والتسريبات الاستخباراتية خلال الساعات الـ 24 الأخيرة تشي بأن هذه المعادلة المستقرة ربما دخلت طور المراجعة الجذرية داخل أروقة مؤسسة القرار الاستراتيجي في طهران. ولا يعني هذا التحول بالضرورة أن إيران أضحت تبحث عن مواجهة شاملة ومفتوحة — إذ يظل ذلك مناقضاً لعقيدتها التاريخية في إدارة المخاطر وتجنب الحروب المباشرة — بل يعني أن مفهوم الردع ذاته يُعاد إنتاجه. فالردع في الأدبيات الاستراتيجية المتقدمة لا يقتصر على امتصاص الضربة الأولى ثم الرد عليها، بل يمتد — عندما تتصاعد مؤشرات التهديد وتتزايد أجهزة الإنذار المبكر — ليشمل تعطيل جهوزية الخصم، وإرباك قدرته على تهيئة البيئة المثالية لضربته المرتقبة.

ومع ذلك، فإن التحليل المنهجي الرصين يستوجب التريث وعدم الانجراف خلف القراءات المتسرعة التي تميل إلى تفسير كل تطور ميداني باعتباره تحولاً استراتيجياً كاملاً. فالمشهد الحالي يظل مفتوحاً على عدة نماذج تفسيرية متوازية، لكل منها مؤشراتها الشارحة في أدبيات العلوم السياسية.

تتمثل الفرضية الأولى في احتمال أن إيران لم تتخذ قراراً مركزياً وموحداً بالانتقال إلى منطق المبادرة الهجومية، وأن بعض العمليات المنسوبة إليها قد تكون نتاجاً لفاعلين محليين أو إقليميين يمتلكون هامشاً كبيراً من الحركة الميدانية. تُعبر هذه الفرضية في جزء منها عن طبيعة شبكات الأمان غير التقليدية التي بنتها طهران، والتي تقع في قلب ما تُسميه الدراسات الأمنية بـ “إشكالية الراعي والوكيل”. فالعلاقة بين الدولة الداعمة والتنظيمات الحليفة ليست علاقة تراتبية صارمة تدور في فلك “الأمر والتنفيذ”، بل هي شبكة معقدة تتقاطع فيها المصالح الكلية مع الحسابات التكتيكية المحلية لكل طرف. وبناءً على هذا التصور، قد تكون بعض الضربات انعكاساً لديناميكيات ميدانية خاصة بالفاعلين المحليين، دون أن يعكس ذلك تبنياً رسمياً لسياسة المبادرة من جانب المركز في طهران.

كما لا يمكن في الوقت ذاته استبعاد احتمال وجود أطراف إقليمية أو دولية ترى في توسيع المواجهة مصلحة مباشرة لها، مما يجعل التضليل الاستخباراتي وسوء التقدير جزءاً لا يتجزأ من بيئة الصراع المعقدة. فالتاريخ الحديث للأزمات الدولية يثبت أن شرارة الحروب غالباً ما تنطلق من قراءات خاطئة للرسائل المتبالغة أكثر من كونها ثمرة لقرارات استراتيجية محسوبة بدقة.

أما الفرضية الثانية — وهي الأكثر غنى من الناحية النظرية — فتفترض أن طهران اتخذت قراراً استراتيجياً واضحاً بالانتقال من الردع الساكن إلى المبادرة الاستباقية المحدودة. وفي هذا السياق، يمكن استحضار الطروحات الكلاسيكية للمحلل الاستراتيجي “توماس شيلينغ” حول طبيعة المساومة القسرية؛ فالردع لا يرتكز على مجرد امتلاك القوة، بل على القدرة على التأثير في الحسابات العقلانية للخصم قبل اتخاذه قرار الهجوم. فإذا توفرت لدى القيادة الإيرانية قناعة بأن الضربة الأمريكية أضحت مسألة وقت، فإن المبادرة المحدودة تُصبح بمثابة أداة دفاعية تهدف إلى إرباك خطط القيادة والسيطرة لدى الخصم، وتشتيت انتباهه، وإجباره على إعادة توزيع موارده العسكرية لحماية قواعده بدلاً من تخصيصها للعمل الهجومي.

وتلتقي مع هذه الفرضية قراءة متقدمة تتصل بالداخل الأمريكي ذاته؛ إذ تشير التقديرات إلى أن صانع القرار في طهران لم يبنِ سلوكه فقط على الحسابات الميدانية، بل على تقييم دقيق للمشهد السياسي الداخلي في واشنطن. تدرك إيران تماماً حجم الضغوط والتجاذبات الحادة داخل إدارة “دونالد ترامب” والدائرتين السياسية والشعبية المحيطة به، حيث تتشابك أصوات “الصقور” الداعية للحسم مع تيارات وازنة داخل قاعدته الانتخابية والمؤسسة السياسية المحافظة التي تضغط بقوة لمنع التورط في “حروب جديدة لا نهاية لها” في الشرق الأوسط.

إن هذا الاستقطاب الداخلي يجعل هامش المناورة لدى “ترامب” مكبلاً بكلفة سياسية باهظة لأي تصعيد عسكري واسع، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية. ومن هذا المنطلق، قد ترى طهران أن فرض واقع ميداني جديد عبر ضربات استباقية محددة يخدم فكرة رفع التكلفة على الرئيس الأمريكي، عبر تحريك مكامن القلق لدى القوى المناهضة للحرب داخل واشنطن، وإجبار الإدارة الأمريكية على كبح جماح التوجهات الهجومية لبعض أجنحتها أو لحلفائها الإقليميين، خشية الانزلاق إلى مستنقع عسكري يُجهض أولوياتها الداخلية والاقتصادية.

وتتصل بهذه القراءة فرضية أخرى أكثر شمولاً، مفادها أن صانع القرار في إيران أعاد تقييم ميزان القوى الدولي، وخلص إلى أن البيئة الجيوستراتيجية الراهنة أصبحت أشد تعقيداً بالنسبة للولايات المتحدة مقارنة بأي وقت مضى. فواشنطن تجد نفسها اليوم ملزمة بإدارة التزامات متزامنة ومتشابكة على مسارح استراتيجية متعددة؛ من المنافسة الاحتوائية مع الصين في المحيطين الهندي والهادئ، إلى إدارة الصراع الممتد مع روسيا في شرق أوروبا، وصولاً إلى كبح الاضطرابات في الشرق الأوسط.

ولا يعني هذا الانشغال فقدان واشنطن لتفوقها العسكري الكاسح، بل يعني أن كلفة استخدام هذه القوة وإعادة حشدها أصبحت أعلى وأكثر تعقيداً من الناحيتين السياسية واللوجستية. ومن هذا المنظور، قد ترى طهران أن تعدد بؤر التوتر الدولية بالتوازي مع الانقسام السياسي الأمريكي يمنحها هامش مناورة أوسع، ليس لأن القوة الإيرانية أضحت توازي القوة الأمريكية، بل لأن قدرة واشنطن على فرض إرادتها السياسية دون أثمان جانبية باهظة أضحت موضع اختبار حقيقي.

ومع ذلك، يجدر بنا التمييز الحذر بين وجود بيئة دولية وداخلية تسمح بالمناورة وبين الافتراض القائل بأفول الهيمنة الأمريكية أو شلل واشنطن عن الرد. وهنا تحديداً يتجسد المفهوم المحوري في الأدبيات السياسية: “مصداقية الردع”. ففي العلاقات الدولية، عندما تزداد الضغوط الداخلية على القيادة الأمريكية لعدم التصعيد، يرتفع في المقابل خطر رد الفعل العكسي؛ إذ قد يجد “ترامب” نفسه مجبراً في لحظة فارقة على تنفيذ رد عسكري قاصم لا لنفي الضعف الميداني فحسب، بل لقطع الطريق على خصومه المحليين واستعادة صورة “الرئيس القوي”. ومن ثم، فإن أي مواجهة محدودة تُتحول إلى اختبار سياسي بامتياز، تدافع فيه واشنطن عن مصداقية ردعها، بينما تسعى طهران إلى العزف على تناقضات الداخل الأمريكي لإثبات أن خيار الضغط العسكري الحاسم لم يعد خياراً ذا كلفة مقبولة في واشنطن.

سيناريوهات التحول المستقبلي

في ضوء التطورات الميدانية المتلاحقة خلال الساعات الـ 24 الماضية، وتداخُلها المعقد مع الحسابات الانتخابية والسياسية في واشنطن، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار هذه المواجهة:

السيناريو الأول: ترسيخ “الردع الديناميكي” وتفعيل كوابح الداخل الأمريكي.

يتأسس هذا السيناريو على نجاح إيران في استثمار المبادرة المحدودة للضغط على الشرايين السياسية الحساسة في واشنطن. في هذا المسار، يؤدي رفع كلفة الاحتكاك الميداني إلى رفع صوت التيار المناهض للحرب في البيئة المحيطة بـ”ترامب”، ما يمنع واشنطن من الذهاب إلى رد واسع، ويدفع الطرفين في النهاية نحو بلورة تفاهمات جديدة وضبط غير مباشر للتصعيد عبر قنوات خلفية.

السيناريو الثاني: الانزلاق ونشوب “حرب الحسابات الخاطئة”.

يمثل هذا السيناريو المسار الأكثر خطورة؛ إذ إن المراهنة الإيرانية على قيود “ترامب” الداخلية قد تصطدم بـ”خط أحمر” أمريكي غير معلن. وفي حال أدت المبادرة الاستباقية الإيرانية أو عمليات حلفائها إلى سقوط خسائر بشرية أمريكية ملموسة، سيتوارى الضغط الداخلي المناهض للتصعيد لصالح حشد وطني خلف الرئيس، مما يضطر “ترامب” إلى توجيه ضربة واسعة النطاق لاستعادة هيبة الردع، ليتحول الصراع إلى مواجهة إقليمية مفتوحة تُعطل كل الحسابات السياسية السابقة.

السيناريو الثالث: الوساطة القسرية واللجوء لـ”الصفقة الأمنية”.

يقتضي هذا المسار أن تشكل التحركات الميدانية الأخيرة ذروة التصعيد التي تفتح الباب فوراً لرفع مستوى زخم تدخل قوى إقليمية ودولية للوصول إلى حل عبر التفاوض. وفي هذا السيناريو، تُترجم المبادرات الاستباقية الإيرانية كرسالة موجهة مباشرة لـ”ترامب” مفادها أن الاستمرار في نهج الضغوط الحالية يهدد أهدافه الاقتصادية والسياسية، مما يدفع واشنطن إلى التقاط فرص الوساطة للوصول إلى صياغة اتفاق أمني وسياسي جديد يتيح لجميع الأطراف نزولاً آمناً عن شجرة التصعيد.

إن الدروس الممتدة للتاريخ الاستراتيجي تشير إلى أن الصراعات المركبة بين القوى الكبرى والإقليمية لا تنتهي غالباً بانتصارات خاطفة، بل بإعادة هيكلة وتعديل لشروط التفاوض. وبناءً على ذلك، يظل السؤال الأهم في هذه المواجهة ليس من يسدد الضربة الأشد إيلاماً في الجولة الحالية، بل من يملك النفس الأطول والقدرة الأكثر مرونة على توظيف البيئة الميدانية والضغوط السياسية الداخلية لخصمه لترجمتها إلى مكاسب مستدامة على طاولة التفاوض القادمة.

تتجاوز المواجهة الراهنة حدود التراشق الميداني والرسائل الاستخباراتية؛ لتشكل اختباراً بنيوياً لآليات إدارة التصعيد في نظام دولي يتجه نحو التعددية، وفي ظل تعقد الحسابات السياسية الداخلية للقوى الفاعلة. إن تحول طهران نحو استراتيجية “المبادرة الاستباقية” يُنهي عملياً قواعد الاشتباك التي حكمت المنطقة لعقود، ويجعل الرهان على صيغ “التصعيد المنضبط” المدارة من خارج الإقليم خياراً مرتفع المخاطر ويفتقر إلى المستدامية.

تكشف هذه التحولات عن حقيقة جيوستراتيجية مفصلية تتمثل في عجز التوازنات القائمة على الردع الثنائي أو المظلات الأمنية الخارجية عن منع الانزلاق نحو صراع شامل. وبناءً عليه، يغدو استقرار الشرق الأوسط مرهوناً بمدى القدرة على تطوير “مظلة أمنية إقليمية” تقودها دول المنطقة، لتتولى إدارة الأزمات الناشئة، وبناء آليات للإنذار المبكر، وتثبيت قنوات اتصال مباشرة لضبط نقاط التماس.

إن طرح “المظلة الإقليمية” لا يندرج ضمن التصورات المثالية للاندماج السياسي، بل يعبر عن ضرورة استراتيجية وخيار برغماتي تمليه إكراهات الجغرافيا، وتشابك التهديدات، والتكلفة الباهظة للحروب غير المتماثلة. ففي بيئة أمنية تتداخل فيها حالة السلم بالحرب، وتتضاعف فيها مخاطر سوء التقدير، تتلخص الخيارات المتاحة في صياغة شبكة أمان إقليمية جامعة أو الاستمرار تحت رحمة ديناميكيات ردع متغيرة تهدد الاستقرار الكلي.

تستوجب هذه اللحظة الاستراتيجية إعادة تعريف مفهوم القوة نفسه؛ إذ لم تعد القوة تُقاس بحجم الخسائر المتبادلة أو إرباك حسابات الخصم المرحلية، بل بالقدرة الاستباقية على صياغة بنية أمنية مشتركة تحد من تمدد الصراعات، وتحول مناطق التماس المشتعلة إلى أطر لتأسيس استقرار إقليمي دائم.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top