حكاية من قاع الغابة
تروي إحدى الحكايات الرمزية أن مجاعةً ضربت غابة نائية، فاتفقت الحيوانات الكبيرة على هدنة مؤقتة لتقاسم ما تبقى من الموارد. بدا المشهد للوهلة الأولى وكأنه بداية لاستقرار طال انتظاره، غير أن الهدنة لم تُنهِ أسباب الصراع، بل أجّلت انفجاره. وفي الخلفية، كانت قوى أخرى ترى في استمرار التوتر فرصة لتعزيز نفوذها، بينما بقيت الحيوانات الصغيرة عالقة بين خوفين؛ خوف الحرب إذا انهارت الهدنة، وخوف الاستنزاف إذا استمرت حالة الترقب.
قد لا تختلف صورة الشرق الأوسط كثيراً عن هذه الحكاية. فالمنطقة تعيش اليوم مرحلة يصعب وصفها بالسلام، لكنها في الوقت نفسه لا تشهد حرباً شاملة، وإنما حالة ممتدة من “اللاحرب واللاسلم” تتبدل فيها مستويات التصعيد والتهدئة دون أن تُنتج تسوية مستقرة.
استقرار مؤقت أم إدارة للأزمة؟
تكشف التطورات الأخيرة أن التهدئة القائمة بين الولايات المتحدة وإيران، رغم أهميتها في احتواء التصعيد، لا تزال محكومة باعتبارات تكتيكية أكثر من كونها تعكس تحولاً استراتيجياً في طبيعة العلاقة بين الطرفين. كما أن القضايا الخلافية الأساسية، سواء المرتبطة بالبرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي أو العقوبات، ما تزال قائمة، وهو ما يجعل أي تفاهمات عرضة للاهتزاز مع تغير الظروف السياسية أو الأمنية.
وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى كثير من هذه التفاهمات بحذر، انطلاقاً من تقديرها بأن أي تخفيف للضغوط على إيران قد يمنحها مساحة أوسع لتعزيز نفوذها الإقليمي. لذلك، يرى عدد من المراقبين أن تل أبيب ستواصل الحفاظ على مستوى مرتفع من الضغط العسكري والسياسي لمنع تشكل معادلات إقليمية لا تنسجم مع رؤيتها الأمنية.
هذه المعادلة تعكس مشكلة أعمق، تتمثل في أن معظم الجهود الدولية خلال السنوات الماضية انصبت على إدارة الأزمات ومنع انفجارها، أكثر من تركيزها على معالجة جذورها. وبينما قد ينجح هذا النهج في تجنب الحروب الكبرى، فإنه يطيل أمد حالة عدم اليقين التي تتحمل دول المنطقة كلفتها الأمنية والاقتصادية والتنموية.
لماذا أصبحت المظلة الإقليمية ضرورة؟
في ظل هذا الواقع، تبدو الحاجة متزايدة إلى بناء إطار إقليمي للتعاون لا يقوم على ردود الفعل المؤقتة، وإنما على مصالح مشتركة وآليات مؤسسية قادرة على احتواء الأزمات قبل تحولها إلى صراعات مفتوحة.
ولا يعني ذلك إنشاء تحالف جديد بالمعنى التقليدي، بل تطوير منظومة إقليمية أكثر قدرة على تنسيق المواقف في القضايا الأمنية والاقتصادية، بما يحد من اعتماد المنطقة الكامل على الترتيبات الدولية التي تتأثر غالباً بتغير أولويات القوى الكبرى.
وتزداد أهمية هذا التوجه مع استمرار الأزمات الممتدة في الشرق الأوسط، وما تفرضه من أعباء اقتصادية وأمنية على دول المنطقة، سواء من خلال تعطيل التجارة، أو تهديد أمن الطاقة، أو زيادة الإنفاق العسكري، أو إضعاف فرص التنمية والاستثمار.
أولاً: الردع الجماعي بديلاً عن الاستقطاب
لا يبدو أن أمن المنطقة يمكن أن يتحقق عبر سباقات التسلح أو المواجهات العسكرية المباشرة، كما أن استمرار الحروب بالوكالة أثبت كلفته الباهظة على الجميع.
ومن ثم، فإن تطوير قدر أكبر من التنسيق السياسي والأمني بين الدول العربية، ومع القوى الإقليمية المنفتحة على الحوار، قد يسهم في رفع كلفة أي محاولات لزعزعة الاستقرار، سواء جاءت عبر التدخلات المباشرة أو من خلال الوكلاء المحليين.
وفي الوقت نفسه، فإن وجود موقف إقليمي أكثر تماسكاً قد يقلل من فرص تحول المنطقة إلى ساحة لتصفية حسابات القوى الدولية، ويمنح دولها هامشاً أوسع للدفاع عن مصالحها بصورة جماعية.
ثانياً: الاقتصاد بوصفه ركيزة للاستقرار
تشير تجارب العديد من التكتلات الإقليمية إلى أن المصالح الاقتصادية المشتركة غالباً ما تكون أكثر استدامة من التفاهمات السياسية العابرة.
ومن هذا المنطلق، فإن توسيع مشاريع الربط الكهربائي، وتعزيز شبكات النقل، وربط الموانئ، وتطوير الممرات التجارية، والتعاون في أمن الطاقة والمياه، كلها أدوات يمكن أن تجعل كلفة التصعيد مرتفعة على جميع الأطراف.
ولا تنطلق هذه الفكرة من افتراض اختفاء الخلافات السياسية، وإنما من إدراك أن تعميق الاعتماد الاقتصادي المتبادل يخلق حوافز إضافية للحفاظ على الاستقرار.
وتوفر المنطقة بالفعل نماذج يمكن البناء عليها، مثل مشاريع الربط الكهربائي العربي، والشراكات الاقتصادية الثلاثية، ومبادرات التعاون في البحر الأحمر والخليج، بما يسمح بالانتقال التدريجي من التعاون القطاعي إلى تعاون أكثر شمولاً.
ثالثاً: من التفاهمات المؤقتة إلى المؤسسات
أظهرت تجارب المنطقة أن التفاهمات السياسية التي تفتقر إلى الأطر المؤسسية غالباً ما تتراجع مع تغير الحكومات أو تبدل موازين القوى.
ولذلك، فإن أي منظومة إقليمية مستقبلية تحتاج إلى مؤسسات وآليات دائمة للحوار، وإدارة الأزمات، وتسوية النزاعات، إضافة إلى تفاهمات واضحة حول المبادئ الأساسية، وفي مقدمتها احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية.
ولا يعني ذلك أن الوصول إلى معاهدات دفاع مشترك أمر قريب أو سهل، فالتباينات في تعريف مصادر التهديد وأولويات الأمن القومي بين دول المنطقة لا تزال كبيرة، إلا أن بناء الثقة تدريجياً قد يفتح المجال أمام مستويات أعلى من التنسيق مستقبلاً.
الداخل هو نقطة البداية
يبقى نجاح أي مشروع إقليمي مرهوناً بمتانة الجبهة الداخلية لكل دولة. فالاستقرار الخارجي يصعب فصله عن الاستقرار الداخلي، كما أن الدول الأكثر قدرة على بناء مؤسسات فعالة، وتعزيز سيادة القانون، وتحقيق التنمية، وتوسيع المشاركة المجتمعية، تكون أكثر قدرة على الانخراط في شراكات إقليمية مستقرة.
ومن هنا، فإن التكامل الإقليمي لا يبدأ فقط من الاتفاقيات الرسمية، بل يبدأ أيضاً من بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، لأن الشرعية الداخلية تظل أحد أهم عناصر القوة في مواجهة الأزمات الخارجية.
خاتمة
من المرجح أن يبقى الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة عرضة لدورات متكررة من التصعيد والتهدئة، ما دامت القضايا الجوهرية التي تغذي الصراعات لم تجد حلولاً مستدامة. غير أن استمرار الاكتفاء بإدارة الأزمات يحمل كلفة متزايدة على أمن المنطقة واقتصاداتها.
ولهذا، فإن بناء مظلة إقليمية تقوم على الحوار، والمصالح الاقتصادية المتبادلة، والتنسيق الأمني، والمؤسسات المشتركة، لا ينبغي النظر إليه بوصفه مشروعاً مثالياً أو بديلاً عن النظام الدولي، بل باعتباره استثماراً طويل الأمد في تعزيز قدرة دول المنطقة على إدارة شؤونها، وتقليل اعتمادها على التوازنات الخارجية المتقلبة، بما يفتح المجال أمام شرق أوسط أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة التحديات المشتركة.






