يخرج مجلس الأمن من جلسته المخصصة لسورية بمشهد سياسي وإنساني متقارب على نحو غير مسبوق، إذ تلاقت مواقف الأمم المتحدة والدول الأعضاء حول ضرورة ترسيخ مسار العدالة الانتقالية وتعزيز سيادة سورية ووحدة أراضيها، بالتوازي مع دعم جهود التعافي المبكر وعودة اللاجئين، بينما قدّم المندوب السوري حصيلة رقمية وسياسية تعكس تقدماً مؤسسياً واسعاً داخل البلاد.
فقد أكد نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة كلاوديو كوردوني وجود تقدّم مستمر نحو المساءلة مع بدء العدالة بالتحقق رغم سنوات التأخير، مشيداً بعمل اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية وبإعدادها مسودة قانونية لعملية شاملة، ومرحّباً بعودة النازحين المنظمة إلى عفرين، في حين حذّر من الانتهاكات الإسرائيلية في الجنوب السوري ودعا تل أبيب إلى الالتزام باتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
وفي الجانب الإنساني، أوضح وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية توم فليتشر أن سورية تمر بلحظة حرجة تتطلب التركيز على المكاسب الإنسانية، مشيراً إلى تراجع التمويل مقارنة بحجم الاحتياجات الهائلة، وإلى الضغوط المتزايدة على البنى التحتية نتيجة عودة النازحين، وإلى الأضرار الواسعة التي خلفتها الفيضانات في الأراضي الزراعية والجسور والطرق، مؤكداً أن الذخائر غير المنفجرة ما تزال تحدياً رئيسياً أمام عودة المهجّرين.
وتقاطعت مواقف الدول الأعضاء حول دعم سيادة سورية واستقلالها، إذ دعت الدنمارك إلى منح دمشق فرصة لتحقيق الاستقرار الوطني، بينما شددت بريطانيا وفرنسا على أن المساءلة شرط لبناء سلام دائم، ورحّبت باريس باستئناف اتفاق التعاون الاقتصادي بين الاتحاد الأوروبي وسوريا وإطلاق محفظة بقيمة 620 مليون يورو لدعم التعافي.
كما أكدت روسيا ضرورة التركيز على الاستجابة الإنسانية والتعافي المبكر وفق أولويات الحكومة السورية بعيداً عن التسييس، في حين دعت الصين إلى زيادة المساعدات الإنسانية والتنموية لضمان عودة اللاجئين.
وأكدت ليبيريا أن الجولان جزء لا يتجزأ من سورية، بينما أشادت البحرين بجهود دمشق في مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات، ورحبت باكستان وكولومبيا بالإنجازات التي حققتها سوريا خلال المرحلة الحالية.
أما تركيا فشددت على أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وتهيئة الظروف لعودة اللاجئين بشكل آمن وطوعي وتعزيز التعاون الإقليمي لضمان استدامة التعافي.
وفي مداخلته، قدّم مندوب سورية الدائم إبراهيم علبي صورة واضحة عن التقدم الداخلي، مؤكداً أن مسار العدالة الانتقالية ماضٍ بوصفه أحد أعمدة سورية الجديدة مع بدء المحاكمات العلنية لمرتكبي الانتهاكات الجسيمة، ومعلناً أن أكثر من 3 ملايين و500 ألف لاجئ ومهجر عادوا إلى البلاد بالتوازي مع مواصلة الجهود لإنهاء ملف النزوح الداخلي.
كما كشف عن تحقيق سورية أكبر ارتقاء في تاريخها على مؤشر حرية الصحافة بتقدم 36 مرتبة عام 2026، مشيراً إلى استمرار خطوات بناء المؤسسات الوطنية، ومنها إصدار القائمة النهائية للجان الفرعية لانتخابات مجلس الشعب في الحسكة.
تعكس الجلسة توافقاً دولياً واسعاً على دعم مسار العدالة في سورية وتعزيز سيادتها واستقرارها، فيما تبرز عودة الملايين وتقدم المؤسسات الوطنية كعناصر أساسية في مرحلة تتجه نحو تثبيت التعافي وترسيخ الاستقرار السياسي والاجتماعي، وسط دعوات أممية لزيادة التمويل الإنساني وتوسيع برامج إعادة الإعمار المبكر بما يواكب التحولات الجارية داخل البلاد.
- بلال محمد الشيخ






