مع اقتراب صدور العمل الأدبي الثاني للكاتب السوري المنشق عن النظام السابق منذ بداية الثورة السورية محمود زعزوع، بعنوان صرخة في قاع التضامن: حيث يختنق الضوء، يتجدد النقاش حول دور الأدب في مواجهة الجرائم الكبرى التي عصفت بسوريا خلال سنوات الحرب، ولا سيما مجزرة حي التضامن بدمشق التي ارتكبها الضابط أمجد اليوسف عام 2013، والتي وثّقت مقتل 41 مدنيًا بدم بارد في مشهد صادم تناقلته وسائل الإعلام العالمية بعد تسريب الفيديو.
هذا التزامن بين التحركات القانونية لملاحقة اليوسف وبين التحضير لإصدار الرواية الجديدة يضعنا أمام مشهد مزدوج؛ حيث يسلم الواقع المجرم للعدالة بينما يسلم الأدب الضحية للخلود، في محاولة لتثبيت الذاكرة الجمعية ومنعها من الانطفاء تحت ضغط الزمن والسياسة.
زعزوع، الذي يحمل إجازة في الإدارة والاقتصاد ومعهد إدارة أعمال ويواصل دراسة دبلوم في العلوم السياسية، عمل في المجال الإنساني لعقد كامل ودرب المعلمين في تجمع دعاة الشام لمدة عشر سنوات، اختار أن يواجه المأساة عبر النص الأدبي لا عبر المحاكم، فحوّل مشاهد الفيديو المسرب إلى شخصيات حقيقية لها أسماء وأحلام مثل أحمد وزهير وسامر، الذين لم يعودوا مجرد صور جامدة بل أصبحوا رموزًا لإنسان كان يحلم بالحب والقهوة وفيروز قبل أن يغدر به الرصاص.
التفاصيل الصغيرة التي أوردها الكاتب مثل خاتم الخطوبة وساعة اليد تحولت إلى قرائن وجدانية تُحاكم القتلة أمام ضمير العالم، لتؤكد أن الأدب قادر على صياغة وثيقة موازية للوثائق الحقوقية، لكنه يضيف إليها البعد الإنساني الذي تعجز المحاكم عن صياغته.
وبحسب مصادر مقربة، فإن العمل الجديد لن يكون مجرد إعادة سرد لمأساة التضامن، بل سيمضي نحو سؤال أكثر عمقًا: ماذا يحدث للناجين حين تتحقق العدالة منقوصة؟ بهذا المعنى يسعى زعزوع إلى ترميم الهوية السورية التي شوهتها الحرب، وإلى تقديم نص يوازي في قوته الوثائق القانونية لكنه يتجاوزها ليطرح رؤية شاملة عن العدالة والذاكرة والنجاة.
إن تزامن التحركات القضائية ضد أمجد اليوسف مع التحضير لإصدار الرواية الثانية يفتح الباب أمام قراءة جديدة لدور الأدب في مواجهة الجريمة، حيث يصبح النص الروائي مرآةً نرى فيها وجوهنا بعد سنوات القهر، وجسرًا نعبر به من قاع التضامن نحو ضوء لا يختنق أبداً، لتبقى الصرخة مستمرة والقصة مفتوحة على احتمالات لم تُغلق بعد.
- بلال محمد الشيخ






