في لحظة إقليمية مشحونة بالتحولات العسكرية والسياسية والاقتصادية، جاءت الجولة الخليجية للرئيس السوري أحمد الشرع لتشكل حدثاً مفصلياً في مسار الدبلوماسية السورية الجديدة، حيث بدأت من جدة مروراً بالدوحة وصولاً إلى أبوظبي، في مشهد يعكس إرادة دمشق في استعادة حضورها الفاعل داخل الخليج والعالم العربي.
هذه الزيارة ليست مجرد بروتوكول سياسي، بل هي تحرك استراتيجي يهدف إلى إعادة ترسيخ موقع سوريا كفاعل إقليمي لا يمكن تجاوزه في معادلة الاستقرار والأمن والتنمية.
الانطلاق من السعودية يحمل دلالات واضحة، إذ أن الرياض تمثل ثقلاً سياسياً واقتصادياً محورياً في المنطقة، والتواصل معها يفتح أبواباً واسعة أمام مشاريع التعاون في مجالات الطاقة والاستثمار والأمن الإقليمي.
هذا الاختيار يعكس إدراك دمشق لأهمية التنسيق مع قطب أساسي في الخليج، بما يعزز فرص إعادة بناء جسور الثقة وفتح مسارات جديدة للتكامل العربي.
أما المحطة الثانية في قطر، فهي إشارة إلى رغبة سوريا في تنويع خياراتها وبناء علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف المؤثرة، بعيداً عن الاصطفافات التقليدية، بما يتيح لها توسيع دائرة مصالحها وتثبيت حضورها في ملفات الطاقة والاقتصاد والسياسة.
وفي أبوظبي، تكتمل الصورة عبر تعزيز التعاون مع الإمارات التي تمثل شريكاً اقتصادياً واستثمارياً مهماً، ما يعكس رؤية سورية شاملة لإعادة التموضع في الخليج.
أهمية هذه الجولة تتجلى في توقيتها، إذ تأتي بعد حرب شرسة أضرت بالشرق الأوسط والخليج العربي وأعادت تشكيل موازين القوى في المنطقة.
وفي هذا السياق، تتحرك دمشق بواقعية ومرونة، متبنية نهجاً يقوم على المبادرة الفعالة واقتناص فرص الانفتاح، بعيداً عن الجمود الذي طبع سنوات سابقة بفعل سياسات النظام البائد.
الملفات المطروحة في هذه الجولة تتوزع بين الاقتصاد والاستثمار، حيث تسعى سوريا لجذب الدعم الخليجي في مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية، وبين الأمن الإقليمي الذي يفرض نفسه بقوة في ظل التهديدات المستمرة، إضافة إلى البعد السياسي المتمثل في إعادة دمج سوريا في محيطها العربي عبر شراكات متوازنة مع القوى الخليجية.
كما أن خيارات سوريا في مرحلة ما بعد الحرب لا تقتصر على إعادة الإعمار الداخلي عبر شراكات خليجية واسعة، بل تمتد إلى طرح مشاريع استراتيجية تعيد رسم خرائط التجارة والطاقة في المنطقة.
وهنا يبرز مشروع البحار الأربعة الذي طرحه الرئيس التركي عبد الله غل عام 2009م في دمشق، داعياً إلى تحويل سوريا وتركيا إلى مركز تجاري عالمي يربط بين الخليج العربي وبحر قزوين والبحر المتوسط والبحر الأسود.
ورغم أن الحرب أجّلت الفكرة لعقد ونصف، فإن التطورات الأخيرة أعادت إحياءها، حيث أشار المبعوث الأمريكي توم باراك في مارس 2026م إلى أن الممرات البحرية التقليدية لم تعد كافية، وأن الجغرافيا السورية تمنحها القدرة لتكون بديلاً برياً أساسياً.
جوهر المشروع يقوم على تحويل الأراضي السورية والتركية إلى ممر مركزي لإعادة توزيع الطاقة، بحيث يصل النفط والغاز القادم من الخليج إلى أوروبا عبر البر، متجاوزاً مضيقي هرمز وباب المندب.
أهمية هذا المشروع لسوريا تتجاوز قطاع الطاقة، إذ بدأت ملامح دوره العملي مع تصدير العراق نفطه عبر مصفاة بانياس السورية في ظل إغلاق هرمز، ما يحوّل سوريا من دولة هامشية ومصدر قلق للجوار بسبب ممارسات النظام البائد إلى عقدة لوجستية لا يمكن تجاوزها، ويعني تدفق الاستثمارات وتمويل إعادة الإعمار في لحظة تاريخية حرجة.
وفي السياق ذاته، وقّعت الإمارات والأردن اتفاقية لتنفيذ مشروع سكة حديد ميناء العقبة بقيمة 2.3 مليار دولار، يشكل خطوة أولى لبناء شبكة سكك حديد وطنية تربط الأردن بالدول العربية وموانئ سوريا على البحر المتوسط.
يمتد المشروع على طول 360 كيلومتراً، لنقل نحو 16 مليون طن سنوياً من الفوسفات والبوتاس إلى الميناء الصناعي، ما يعزز موقع الأردن كمركز إقليمي للنقل واللوجستيات.
الأهمية الاستراتيجية لهذا المشروع تكمن في أنه يفتح الطريق للتوسع شمالاً نحو سوريا وتركيا وصولاً إلى أوروبا، ويعزز في الوقت نفسه ربط الأردن بدول الخليج، بما يسهم في ترسيخ التكامل الاقتصادي العربي ويضع سوريا في قلب شبكة إقليمية جديدة تربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا.
بهذا يتضح لنا أن الجولة الخليجية للرئيس أحمد الشرع ليست مجرد زيارات رسمية بأطر دبلوماسية، بل إعلان عن عودة سوريا إلى قلب المعادلة الإقليمية، كضرورة سياسية وأمنية واقتصادية لاستقرار الشرق الأوسط والخليج العربي، معززة بمشاريع استراتيجية كبرى تعيد رسم خرائط الطاقة والتجارة وتمنح دمشق دوراً محورياً في صياغة مستقبل المنطقة.






