من اعتصام دمشق 17 نيسان 2026

في شوارع دمشق، حيث تختلط الذاكرة بالخذلان، خرجت أصوات جديدة ترفع ما سُمّي «عشرون مطلباً». للوهلة الأولى، يبدو المشهد وكأنه بداية صحية لولادة معارضة مدنية، معارضة تراقب، وتنتقد، وتصوّب. هذا ما تحتاجه أي دولة تسعى للخروج من الركام. لكن التدقيق في التفاصيل يبدّد هذا الانطباع سريعاً، ويطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً: من يتحدث فعلاً.. ولأي غاية؟
 
ليس من الصعب تمييز من دفعه الفقر إلى الشارع. فهؤلاء لا يملكون ترف الشعارات ولا وقت التنظير. لكن المشهد هذه المرة لم يكن كذلك. من النظارات باهظة الثمن إلى الإكسسوارات التي تتجاوز قيمتها كلفة معيشة أسرة لأيام، بدا واضحاً أن جزءاً كبيراً من الحضور لا يشبه صورة الجائع الذي ضاقت به الحياة. وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
 
المشكلة ليست في المطالب بحد ذاتها، فبعضها مشروع وبديهي، المشكلة في من يتبنّاها ويعيد تدويرها كأداة. فالكثير من الدعاة الجدد ليسوا معارضة بالمعنى السياسي، هم امتداداً لطبقة نجت من المحاسبة، وأعادت تموضعها بسرعة مذهلة. نفس الوجوه ونفس الذهنية، ولكن بقناع جديد وبلهجة مختلفة.
 
بعيدا عن زيف التمثيل لدور المعارضة، تكمن الخطورة في القدرة على استثمار الألم الحقيقي للناس. فحين يمتزج الطيب الذي خرج بدافع الحاجة، مع الخبيث الذي يبيت النية، تتحول الساحة إلى مساحة رمادية لا يمكن الوثوق بها. وهنا البرنامج يتحول إلى مجرد ذريعة.
لو كانت هذه المعارضة جادة، لبدأت من حيث يجب أن يبدأ أي نقاش مسؤول:
كيف سيتم التعامل مع ملايين النازحين؟
من سيعيد بناء المدن المدمرة؟
ما الخطة لمعالجة آلاف الأطفال بلا هوية واضحة؟
كيف سيتم دمج عشرات آلاف المعاقين في اقتصاد منهار؟
وماذا عن ملايين الأميين الذين يشكلون قنبلة اجتماعية صامتة؟
هذه ملفات تحتاج دراسات، وأوراق عمل، وحلول قابلة للتنفيذ. لكن لا شيء من ذلك طُرح. لأن الهدف لم يكن الحل.
 
في هذا السياق، لا بد من الحديث حول تقييد بعض منصات التواصل الاجتماعي لأن هذه المنصات اصبحت مصانع للهلع. حيث يُضخَّم كل حدث ويُقدَّم وكأن البلاد على حافة الانهيار، فإن التأثير النفسي لا يقل خطورة عن الأزمة نفسها. تجارب دول عديدة من تقييد ميزات تطبيقات إلى فرض ضوابط مؤقتة، تُظهر أن المسألة ليست استثنائية. الحل في المساءلة وإثبات هوية من يتصدر الخطاب السياسي، وتفعيل قوانين تحاسب على نشر الأخبار الكاذبة وهذا جزءاً من حماية المجال العام. لأن الفوضى لا يمكن أن تكون حرية.
 
لكن، وبصراحة أكثر إيلاماً، لا يمكن تحميل «المحرضين» وحدهم المسؤولية. هناك غياب واضح للحكومة، كسلطة تنفيذية وكحضور معنوي. أين الخطاب؟ وأين التوضيح؟ وأين الاستجابة؟ حين تُترك قضايا مثل الكهرباء، وفصل الناس من أعمالهم، وارتفاع الأسعار إلى مستويات لا تتناسب مع دخل بلد منهك، دون معالجة أو حتى تواصل حقيقي، فإن الفراغ لن يبقى فارغاً. سوف يملؤه أي طرف مستعد لاستغلاله.
وهنا نستعيد درساً قديماً، ربما لم يُقرأ جيداً: مرحلة محمد ناجي عطري، ومعه عبدالله الدردري ومحمد الحسين. حينها، قدّمت «اقتصاد السوق الاجتماعي» كخيار حداثي، لكن التطبيق انزلق سريعاً نحو خصخصة غير متوازنة، ورفع الدعم دون شبكة أمان كافية. النتيجة: شرخاً اجتماعياً عميقاً. لم «ينفتح السوق» وإنما انفتح الشارع.
 
ما يجري اليوم من احتجاج،  هو اختبار لوعي الناس، ولجدية من يدّعون تمثيلهم، ولقدرة الدولة على قراءة الإشارات قبل أن تتحول إلى أزمة. أخطر ما في اللحظة الحالية هو توجيه الغضب،  توجيهه في الاتجاه الخطأ.
فسوريا اليوم تحتاج لمعارضة تجيد التفكير، وإلى سلطة تفهم ان غيابها خطأ استراتيجي.. وفي النهاية، ليست كل مظاهرة بداية تغيير، أحياناً تكون مجرد بروفة لفوضى مؤجلة. فحين تختلط المطالب بالنيات، ويعلو الصوت على الحساب، ويتقدّم من لا يملك حلاً ليتصدر المشهد، يصبح الشارع اختباراً خطيراً.
وإذا لم تُستعاد البوصلة وعياً ومسؤوليةً فإن الطريق من «الشارع المفتوح» إلى المجهول..  أقصر مما نتصور.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top