مع حلول شهر رمضان المبارك، تعود إلى الواجهة في المجتمع السوري عادات اجتماعية متجذّرة، تحمل في طياتها معاني المودّة والتكافل. ومن أبرز هذه العادات “حقّ الملح”، وهو تقليد قديم لا يقتصر على دمشق فحسب، بل يمتدّ أيضاً إلى مدن سورية عريقة مثل حلب وحمص، حيث يُمارس بروح متقاربة تعبّر عن الامتنان لجهود ربّة المنزل خلال الشهر الكريم.
جذور تقليدية ومعانٍ رمزية
يرتبط مفهوم “حقّ الملح” بدلالات عميقة في الثقافة الشعبية، حيث يُعدّ “الملح” رمزاً للعِشرة والوفاء. وفي هذا السياق، يقول الباحث في التراث الاجتماعي الدكتور أحمد أبو زيد: “يرتبط الطعام في الثقافة العربية بروابط اجتماعية وأخلاقية، ويُنظر إلى مشاركة الخبز والملح بوصفها تعبيراً عن عهدٍ من المودّة والالتزام المتبادل.”
كما تشير دراسات في الأنثروبولوجيا الاجتماعية إلى أن العادات المرتبطة بالطعام، لا سيما في المناسبات الدينية، تُستخدم لتعزيز الروابط الأسرية وإعادة إنتاج القيم المجتمعية. وتوضح الباحثة الفرنسية كلود ليفي-ستروس:“الطعام ليس مجرد حاجة بيولوجية، بل هو نظام من الرموز يعكس بنية المجتمع وعلاقاته.”
من الريف إلى المدن السورية
نشأت عادة “حقّ الملح” في البيئات الريفية، قبل أن تنتقل إلى الحواضر السورية الكبرى. وفي دمشق، كما في حلب وحمص، ارتبطت هذه العادة بشهر رمضان تحديداً، لما يتطلّبه من جهد إضافي في إعداد الطعام، ولما يحمله من طابع روحي واجتماعي خاص. ويؤكد الباحث الاجتماعي مصعب الشيخ أن هذه العادة: “جاءت تكريماً لربّة المنزل التي تتحمّل مشقة الصيام والعمل معاً، خصوصاً في شهر رمضان الذي يتطلب جهداً مضاعفاً في إعداد الطعام.”
هدية تعبّر عن الامتنان
تتخذ “حقّ الملح” أشكالاً متعددة، تبعاً للقدرة المادية، إذ يحرص الأزواج وأفراد الأسرة على تقديم هدية رمزية في نهاية الشهر، قد تكون قطعة ذهب، أو لباساً، أو حتى وردة وكلمة طيبة. وفي هذا الإطار، يشير عالم الاجتماع بيير بورديو إلى أن: “الهدايا في المجتمعات التقليدية لا تُقاس بقيمتها المادية فقط، بل بدلالاتها الرمزية في تكريس العلاقات الاجتماعية.”
بين الاستمرار والتغيّر
رغم التحديات الاقتصادية، لا تزال هذه العادة حاضرة في دمشق وحلب وحمص، وإن بأشكال أكثر بساطة. ويؤكد مختصون أن استمرارها في هذه المدن يعكس تمسّك المجتمع السوري بهويته الثقافية، وقدرته على التكيّف دون التفريط بالقيم الأساسية.
طقس اجتماعي يتجاوز الهدية
لا تقتصر “حقّ الملح” على كونها هدية رمضانية، بل تمثّل طقساً اجتماعياً يعيد التوازن داخل الأسرة، ويمنح المرأة مساحة من التقدير المعنوي. فهي لحظة اعتراف بجهد غير مرئي غالباً، وتعبير عن الامتنان الذي يعزّز التماسك الأسري. وهكذا، سواء في دمشق أو حلب أو حمص، تبقى “حقّ الملح” عادة حيّة تختصر تاريخاً من المحبة، وتعيد إلى البيوت السورية دفء العلاقات، شاهدةً على أصالة المجتمع وروحه المتجددة.
- ميساء الشيح حسين






