من زيارتي لمتحف كركوز وعواظ في ولاية بورصا التركية

في مقهى دمشقي قديم، كانت ستارة بيضاء ترتجف على وقع ضوء مصباح يتيم. خلفها يتحرّك ظلان صغيران، يتبادلان السخرية والاتهام والمكر، بينما يضحك الرجال ويهزون رؤوسهم كأنهم يقولون: “أصبت… والله أصبت”. لم يكن أحد يذكر اسم الفن بقدر ما كان ينتظر ظهور كركوز وعواظ، تلك اللحظة التي يصبح فيها الضحك طريقةً لقول الحقيقة.

اليوم تغيّر المكان، وغابت الستارة، لكن اللعبة نفسها تتكرّر. لم يعد كركوز مصنوعًا من جلد ملوّن، بل من صورة مصقولة على شاشة. ولم يعد عواظ يخرج من خلف ضوء مصباح، بل من بين كلمات محسوبة بدقة في استوديو أو على منصة. ومع ذلك، يظل المشهد مألوفًا: واحد يثير الضجيج، وآخر يحاول أن يبدو عاقلًا، والجمهور يتابع، يضحك أحيانًا، ويغضب أحيانًا أخرى.

في زمن خيال الظل، كان الناس يعرفون أنهم يشاهدون دمى. كانوا يدركون أن وراء الستارة رجلًا يحرك الخيوط، وأن الظل ليس هو الجسد. أما اليوم، فالأمر أكثر التباسًا. تختلط الظلال بالوجوه الحقيقية، ويصعب أحيانًا أن نميّز بين من يمثل ومن يتكلم بصدق.

كركوز لم يكن شخصية ساذجة فقط؛ كان يفضح تناقضات المجتمع ببراءته المصطنعة. وعواظ لم يكن حكيمًا بالكامل؛ كان يعرف كيف يلتف على الكلمات ليقول ما يمكن قوله فقط. تلك الثنائية القديمة تبدو مألوفة في نقاشاتنا اليومية، في برامجنا، في سجالاتنا على مواقع التواصل. شخص يصرخ، وآخر يشرح، والجمهور موزّع بين التصفيق والاعتراض.

الفرق الوحيد أن المخايل القديم كان معروفًا، يجلس خلف الستارة ويملك صوته وصوتهما. اليوم، المخايل أكثر خفاءً. قد يكون مؤسسة، أو مصلحة، أو موجة رأي عام تصنعها لحظة غضب. والستارة لم تعد قطعة قماش، بل خوارزمية ترفع هذا وتخفي ذاك.

في ليالي رمضان، كان الناس يخرجون من المقهى وهم أخفّ قليلًا. الضحكة كانت متنفسًا، والرسالة تصل من دون أن تُكتب في بيان. أما نحن، فنخرج مثقلين بضجيج لا ينتهي. نضحك، نعم، لكن ضحكتنا قصيرة، وسرعان ما تتحول إلى جدل طويل.

كركوز وعواظ لم يكونا حكاية من الماضي فقط. هما طريقتنا القديمة في فهم السلطة والمجتمع، في اختبار حدود الكلام، وفي تمرير النقد من تحت الباب. وحين ننظر حولنا اليوم، نكتشف أن الظلال ما زالت تتحرك. الفرق أننا لم نعد نجلس في مقهى واحد، بل في مقاهٍ رقمية لا يجمعها سقف واحد ولا ضوء واحد.

ربما لم يعد أحد يعلّق ستارة بيضاء في حارة شامية، لكن السؤال الذي كان يهمس به الجمهور ما زال حاضرًا: من يتكلم فعلًا… ومن يُحرّك الكلام؟

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top