درعا البلد في الذكرى الاولى لتحرير سوريا خاص مؤسسة جولان

في النصف الأول من عام 2018 بدأت الدول الداعمة (إنسانياً وعسكرياً) بوقف الدعم عن الجنوب السوري، وفي الشهر السابع من العام نفسه بدأت التحشيدات العسكرية لقوات نظام أسد على محافظة درعا، وبدأ الهجوم بالتزامن مع وصول رسالة من الجانب الأمريكي إلى قادة أحد الفصائل الكبيرة في درعا، تفيد بعدم تقديم أي دعم للجيش الحر، مع الإشارة إلى وجود ترتيب دولي جديد في المنطقة الجنوبية.

انطلق الهجوم الشرس مدعوماً بالطيران الروسي المكثف، دون أي مقارنة تُذكر بين قدرات الطرفين، ولم يكن للجيش الحر وأهالي الجنوب السوري أي ظهير يلجؤون إليه، حيث أُغلقت الحدود، ومُنع استقبال اللاجئين من الجانب الأردني، كما مُنع استقبال الجرحى خلال تلك الفترة. وتم اجتياح حوران من المنطقة الشرقية، في ظل وجود مقاومة غير متكافئة هدفت إلى ردع هذا العدوان.

لاحقاً، بدأ عرض التهجير على ثوار الجنوب ممن لا يرغبون بالبقاء بعد استيلاء قوات النظام والجيش الروسي على المنطقة. إلا أن أغلب ثوار الجنوب السوري آثروا البقاء في مناطقهم وبين أهلهم، ورفضوا التهجير، على الرغم من أن كثيراً منهم كانوا مشاريع اغتيال وخطف واعتقال من قبل نظام الإجرام الأسدي. قبلوا بالبقاء والعيش في مرحلة مريرة على قلوبهم، لكن ما كان أكثر مرارة لديهم هو ترك أهلهم وحدهم بين مخالب المجرمين.

كان من السهل أن يأخذ الثائر معه النساء المقربات في رحلة التهجير، لكنه لا يستطيع أن يأخذ معه كل النساء من عرضه، من أخوات وعمات وخالات وباقي القريبات، لذلك كان البقاء هو قرارهم الاستراتيجي. وفي الوقت ذاته، احترموا رأي وقرار إخوتهم الثوار الذين رأوا أن قبول التهجير هو القرار الأنسب لهم.

الثوار الذين بقوا في الجنوب حصلوا على ما سُمّي بـ«تسوية وضع»، إلا أنهم لم يصالحوا النظام المجرم أبداً، ولم تكن عملية التسوية سوى مناورة من الطرفين، اللذين لم يثقا ببعضهما مطلقاً.

اضطر بعض القيادات الثورية للجلوس مع ضباط روس وضباط من نظام الأسد للتفاوض على المرحلة المقبلة، ولم تكن تعهدات ضباط النظام والضباط الروس صادقة إلا نادراً، وهو أمر كان متوقعاً. واستمرت عمليات الاعتقال والاغتيال بحق كثير من الثوار، ولا سيما بين عامي 2019 و2020.

أما القلة القليلة التي ظهرت خيانتها بشكل جلي بعد عام 2018، فأغلبهم كانوا عملاء قبل ذلك التاريخ، إلا أن أمرهم لم يُكتشف إلا في هذه المرحلة. وكثير منهم تمت تصفيته إما من قبل الثوار أو من قبل قوات النظام لانتهاء دورهم أو بسبب تقصيرهم في مهامهم، ومنهم من قُتل لأسباب مجهولة، ومنهم من بقي حياً لما بعد التحرير، بانتظار العدالة الانتقالية لينال جزاء ما فعله بأهله.

بدأ الثوار بتجميع قواهم ضمن مجموعات قليلة في العديد من مناطق درعا، وشرعوا بتنفيذ عمليات ضد بعض الحواجز التي كانت تسيء للناس، وضد بعض الضباط والعناصر العسكرية والأمنية التي عاثت فساداً وظلماً. عندها شعر النظام بفشل أسلوب التسويات، وضاقت عليهم حوران بما رحبت، وأصبحت تحركاتهم محدودة وبحماية مشددة، وفي أي لحظة وأي مكان كان خطر الثوار يداهمهم.

فرضت قوات النظام حصاراً على العديد من المدن والبلدات وقصفتها عدة مرات، ولا سيما درعا البلد وجاسم وطفس والصنمين ونوى وغيرها، ولجأت أكثر من مرة إلى تجديد ما سُمّي بالتسويات، وليس المصالحات.

بقي كثير من الثوار مطلوبين للأفرع الأمنية ومحكمة الميدان العسكرية ومحكمة الإرهاب، واستمرت الحجوزات الأمنية على أملاكهم، بل ازدادت إشارات الحجز خلال هذه الفترة، لتصل عند بعض الثوار إلى أكثر من ست إشارات لمختلف الجهات الأمنية.

أما الضامن الروسي، فقد بدأ بالتملص من التزاماته منذ الأشهر الأولى لما بعد اجتياح 2018، وكانت تدخلاته محدودة للغاية. في المقابل، شكّل صمود ثوار الشمال دافعاً إضافياً لثوار الجنوب للاستمرار في النضال ضمن حدود الإمكانيات المتاحة.

بعد عام 2022، عمل العميد المجرم لؤي العلي، مدير فرع الأمن العسكري في درعا، على إثارة الفتن العشائرية كوسيلة لكبح المد الثوري المسلح المتجدد، لكنه لم ينجح في إطفاء جذوة الثورة في قلوب الثوار. ففي أوقات الشدة، كان المتخاصمون يتحدون ضد قوات النظام، وينسون خلافاتهم للتصدي لأي محاولة تجاوز بحق أهل حوران.

لبّى ثوار مناطق حوران نداء الفزعة كلما حاول النظام الاستفراد بأي مدينة لاقتحامها. وعند حصار مدينة جاسم، حضر ثوار من درعا البلد وبصرى وطفس وحوض اليرموك وغيرها جلسة التفاوض، وحذروا ضباط النظام، ومنهم قائد المنطقة العسكرية الجنوبية، من أن أي اعتداء على جاسم هو اعتداء على كل حوران، وكان هذا الموقف رادعاً لهمجية ضباط النظام.

حوصرت العديد من المدن، واندلعت معارك في بعضها، لا سيما درعا البلد وطفس وجاسم والصنمين وحوض اليرموك. ولم تتوقف المظاهرات في مدن وقرى حوران، رغم محدوديتها وصعوبة الظروف.

الحواجز العسكرية على أطراف المدن كان همها الأول فرض الإتاوات على الأهالي، وخاصة أصحاب السيارات المحملة بالمواد الزراعية أو التجارية. وعندما كانت تعتقل أحد الشباب أو النساء، كان الثوار يستنفرون لتحذير ضباط النظام والمطالبة بالإفراج عن المعتقل، وغالباً ما كانت هذه الحالات تنتهي بالإفراج نتيجة تهديدات الثوار.

لعل أبرز إنجاز حققه الثوار في هذه المرحلة كان منع المد الإيراني الشيعي في الجنوب السوري، ومنع أذرع ما يُسمى «حزب الله» من التغلغل في حوران، إضافة إلى إفشال مشروع التسويات الذي سُوّق له على أنه مصالحات، لتبقى حوران شوكة في حلوق المجرمين.

عانى الأهالي من تصرفات الحواجز، وكانوا يستعيذون بالله من شرورها عند عبور أي حاجز لقوات النظام.

ومع انطلاق معركة ردع العدوان في 2025/11/27، بدأ ثوار الجنوب بتجميع قواهم، وكان لبعض المجموعات تواصل مع ثوار الشمال ضمن هذه المعركة. ومع اقتراب الثوار من مدينة حماة، ازدادت وتيرة العمليات، وحوصرت العديد من الحواجز، ما اضطر قوات النظام للانسحاب إلى ثكناتها المحصنة. وفي اليوم السابع من كانون الأول، انسحبت قوات النظام بشكل كامل من الجنوب.

تجهز ثوار الجنوب، مدنيين وعسكريين، لدخول العاصمة دمشق في فجر يوم الأحد 2025/12/8، ليعيشوا فرحة التحرير بزوال نظام الظلم والإجرام.

انتهت حقبة الاستبداد، لتبدأ حقبة الحرية والبناء، بناء الأرض والإنسان، وانخرط ثوار درعا في قوات الجيش السوري الجديد وقوات وزارة الداخلية، لحماية الدولة التي ناضلوا من أجلها، والحمد لله رب العالمين.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top