عناصر من قسد مواقع تواصل

مع إعلان التفاهم الذي أبرمه الرئيس السوري أحمد الشرع، دخلت العلاقة المعقدة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) مرحلة جديدة حاسمة. الاتفاق، الذي يهدف إلى إنهاء حالة الانفصال في مناطق الشمال السوري، يضع قسد أمام خيارات محدودة في وقت تشير فيه كل المعطيات إلى تحول عميق في المشهد.

لكن ردة الفعل من جانب قسد لم تكن القبول الحاسم أو الرفض الصريح، بل جاءت على نحو يمكن وصفه بالمتردد والتمهلي. هذا السلوك يطرح تساؤلاً عميقاً: لماذا التماطل في عملية تبدو نتائجها محسومة لصالح طرف على الأرض؟

تحول في الاستراتيجية: من البحث عن النصر إلى إدارة التراجع

تشير القراءات التحليلية لمسار التفاوض إلى أن القيادة الكردية تعمل حالياً ضمن إطار إدارة التراجع بدلاً من السعي لتحقيق انتصارات جديدة. فهي تواجه ثلاثة حقائق يصعب تجاوزها: تراجع الموثوقية الأمريكية كضامن للبقاء، وتصاعد المخاطر الداخلية الناجمة عن الانقسامات، وتحول التفاوض مع دمشق من خيار إلى ضرورة.

في هذا السياق، يتحول الوقت من عنصر يمكن استثماره لقلب الموازين، إلى عملة أخيرة في جعبة المفاوض. الهدف الأساسي يصبح الحصول على ضمانات لأمن القيادات، والمحافظة على بعض المكاسب الاقتصادية المحلية، وإيجاد صيغة للاندماج في هيكل الدولة تضمن استمراراً ما للنفوذ السياسي في المنطقة.

العلاقة مع واشنطن: شراكة في مرحلة إعادة التعريف

تقوم معضلة قسد الرئيسية على فجوة في التوقعات بينها وبين واشنطن. فبينما لا تزال القيادة الكردية تنظر إلى الولايات المتحدة على أنها حليف استراتيجي، تشير التطورات في السياسة الأمريكية إلى اعتبار الملف السوري، وقضية قسد ضمنه، جزءاً من حسابات أوسع. فواشنطن لم تعد تنظر إلى قسد كـ”شريك طويل الأمد”، صارت تراه ملف يجب ضبطه وإغلاقه بأقل كلفة ممكنة.

والتاريخ القريب يظهر أن الولايات المتحدة لا تتخلى عن حلفائها فجأة، لكنها تتخلى عنهم تدريجياً عندما تفقد العلاقة قيمتها الوظيفية. وقسد: بصيغتها الحالية، تواجه صعوبة متزايدة في إثبات أنها لم تصبح عبئاً سياسياً، وتحاول إيصال فكرة مفادها أنها ما زالت عنصراً استراتيجياً وفاعلاً.

هذا التحول ينبع من تقييم يقول إن قسد، في شكلها الحالي وهيكليتها المختلفة بالرأي، تواجه تحديات جوهرية في تماسكها السياسي والعسكري، ما يجعلها عنصراً غير مستقر في معادلة طويلة الأمد.

رواية مكافحة الإرهاب وإشكالية الاستمرار

اعتمدت قسد لسنوات على دورها في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) كمصدر للشرعية الدولية والدعم. لكن مع تراجع التهديد الذي يمثله التنظيم، ووجود بديل جيش نظامي سوري.. بدأ هذا المصدر يفقد قوته الدافعة. فالدول الداعمة باتت تسأل عن جدوى الاستمرار في دعم كيان قد يكون وجوده مرتبطاً بتهديد لم يعد بنفس الدرجة من الحدة.

التحدي الداخلي: تحالف هش تحت الضغط

إلى جانب الضغوط الخارجية، تواجه قسد تحدياً داخلياً لا يقل خطورة. فهي لا تمثل كتلة موحدة، بل هي تحالف يجمع بين جماعات كردية متنوعة، وعناصر عربية، وفلول من النظام السابق، وعناصر موالية لحزب العمال الكردستاني. لطالما وحدتهم المصالح الآنية والتهديدات المشتركة. لكن الضغوط المتزايدة والمفاوضات المصيرية مع دمشق تعمل على كشف هذه الانقسامات الداخلية وتسريع وتيرتها، مما يضعف مركز قسد التفاوضي.

مستقبل الاتفاق: احتمالات النجاح والتحديات

تبقى فرص نجاح هذا المسار التفاوضي مرهونة بعدة عوامل. يتقدمها قدرة الحكومة السورية على الحفاظ على زخم عملية الدمج وفق جدول زمني واضح، ونجاحها في تجاوز الوساطات والتفاوض المباشر مع أصحاب القرار الحقيقيين، وقدرتها على نزع الصبغة العسكرية الخاصة عن المنطقة ودمجها في الحكم المركزي.

أما التحدي الأكبر، فيكمن في احتمالية استمرار قسد في سلوك المماطلة، مدفوعة باعتقاد خاطئ بأن التحولات الإقليمية والدولية قد تمنحها فرصة أخرى للتعافي أو التفاوض من موقع أقوى.

السيناريوهات المحتملة لقسد إذا  تعثر الاتفاق:

  1. التفكك الصامت: إذا اختارت قسد النجاة.. الاحتمال الأرجح يتمثل في تفكك تدريجي غير معلن، عبر انشقاقات داخلية، تفاهمات فردية، وخروج وحدات محلية من القرار المركزي، دون إعلان حلّ رسمي أو صدام واسع.
  2.  المماطلة كتكتيك استراتيجي أخير: تأجيل التنفيذ ليس رفضا للاتفاق بقدر ما هو محاولة لتحسين شروط الخروج وحماية القيادات، في ظل إدراك متزايد بأن الوقت لم يعد يعمل لصالحها.
  3.  وهم الاستقواء بالخارج: هذا السيناريو مرتفع الكلفة وضعيف الحظوظ.. محاولة افتعال صدامات أو رفع منسوب العنف لجذب تدخل خارجي يبقى احتمالاً محدوداً، لأن البيئة الجغرافية والسياسية لا تدعم حكاية «الحماية الدولية»، ولأن أي انفلات أمني سيُفقد قسد ما تبقى من غطاء سياسي ويسقطها.
  4.  لماذا لا يتكرر نموذج السويداء؟ غياب التجانس الاجتماعي في شمال شرق سوريا والمنظور المقنع دولياً يجعل تكرار هذا النموذج شبه مستحيل، ويحوّل أي تصعيد إلى عبء سياسي وورقة ضغط ضعيفة.

قسد اليوم عالقة بين إدراك الواقع والخوف من تبعاته بعدما أثبتت قلة وضعف حنكتها السياسية. والخيارات المطروحة تضيق باتجاه إدارة الخسارة و تجنب قلب المعادلة عليها. والواقع على الأرض يشير إلى أن مرونة دمشق التفاوضية لها حدود، وأن الوقت عنصر يعمل لصالح استعادة السيادة وليس العكس.

القرار الذي تتخذه قسد في الساعات المقبلة قد يُحدد مصيرها لعقود قادمة ليس ككيان منفصل، وإنما كجزء من نسيج الدولة السورية التي تسعى لإعادة ترتيب أوراقها بعد سنوات من الصراع أو تهوي إلى الأبد.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top