هنا تبدأ الأسئلة التي لا يجوز أن يحجبها الغضب، ولا أن تُسكتها الروايات الرسمية. فما علاقة المدنيين في حوران بما جرى جنوب الأردن؟ وإذا كان الهدف ملاحقة المتورطين وحماية الأمن، فكيف يصبح الأبرياء ضحايا لعملية لم يرتكبوها؟ وأيُّ منطق أمني يبرر نقل الخطر إلى مدنيين لا ذنب لهم فيما حدث؟
إن السردية التي أعلنتها الحكومة الأردنية، بصيغتها المتداولة، لم تكن موفقة، ولا تخدم العلاقات التاريخية بين الشعبين. فبدلاً من أن تبدد المخاوف وتوضح الملابسات، تركت أسئلة جوهرية بلا إجابات مقنعة: ما الصلة بين الحادثة التي وقعت في الأردن واستهداف مناطق في درعا؟ وما الأدلة التي استندت إليها هذه الضربات؟
إن أمن الدول لا يُصان بالغموض، ولا تكتسب القرارات العسكرية مشروعيتها لمجرد صدورها عن جهة رسمية، بل بوضوح مبرراتها، ودقة المعلومات التي تستند إليها، ومحاسبة المسؤولين عن أي خطأ يؤدي إلى إزهاق أرواح الأبرياء.
وفي مثل هذه الأحداث، يبرز سؤال أساسي في التحقيق والتحليل السياسي: من المستفيد؟ من مصلحته أن تتحول حادثة أمنية إلى شرخ بين شعبين تجمعهما الجغرافيا والقرابة والتاريخ؟ ومن يستفيد من دفع المنطقة نحو مزيد من الفوضى والانقسام؟
لا نملك دليلاً يتيح الجزم بأن ما جرى كان مخططاً له، أو أن جهة بعينها تقف وراءه، لكن من المشروع التساؤل عما إذا كانت هناك معلومات مضللة، أو تقديرات استخباراتية خاطئة، أو أطراف تسعى إلى استغلال الحادثة لتحقيق أهداف سياسية وأمنية. فهذه احتمالات تستحق تحقيقاً جاداً وشفافاً، لا أن تتحول إلى اتهامات نهائية بلا دليل. وإذا كانت المعلومات التي بُنيت عليها القرارات غير دقيقة، فمن يتحمل المسؤولية؟ وإذا كانت دقيقة، فما المبرر الذي يجعل المدنيين يدفعون الثمن؟
وفي ظل الصراعات الإقليمية المتشابكة، لا يمكن تجاهل أن الفوضى في سورية والمنطقة قد تخدم حكومة نتنياهو والتيارات المتطرفة التي ترى في ضعف المجتمعات وانقسامها فرصة لتوسيع نفوذها. كما أن تصوير جنوب سورية بوصفه بؤرة تهديد أمني قد يُستغل ذريعةً لتبرير تدخلات واعتداءات إضافية. لكن الإشارة إلى هذه الاحتمالات لا تعني التسليم بوجود مخطط محدد، بل تفرض ضرورة كشف الحقائق، والحيلولة دون استغلال مآسي الناس في حسابات لا تخدم أمنهم ولا مستقبلهم.
غير أن الخطر لا يقف عند حدود القصف أو احتمال الخطأ الأمني؛ فالأشد خطورة أن تتحول المأساة إلى وقود للكراهية، وأن يُدفع الناس إلى صراع ديني أو طائفي.
إن استهداف المسيحيين أو الاعتداء على أي إنسان بسبب دينه جريمة تستوجب الإدانة والمحاسبة، لكن لا يجوز استغلال جريمة كهذه لتأليب جماعة على أخرى أو لتبرير استهداف الأبرياء. فحماية جماعة لا تكون بالانتقام من جماعة أخرى، وكرامة الضحايا لا تُصان بإنتاج ضحايا جدد. والمطلوب اليوم أن تتسع دائرة التضامن مع الأبرياء، لا أن تتسع دائرة العداوة بين مكونات المنطقة.
وفي هذا السياق، فإن أهل حوران، الذين دفعوا أثماناً باهظة في مسيرتهم من أجل الحرية والكرامة، ليسوا بحاجة إلى مواجهة جديدة تستنزف أبناءهم وتعزلهم عن محيطهم. فالأردن ليس بلداً غريباً عنهم؛ بين الشعبين صلات رحم وتاريخ ومصالح مشتركة.
وأي محاولة لجرّ أبناء حوران إلى أعمال عدائية ضد الأردن لن تعيد حقاً، ولن تحمي طفلاً، ولن تكشف حقيقة. فالاعتداء على مواطن أردني أو ممتلكاته لا يردّ دم طفل سوري، مثلما أن قصف المدنيين في سورية لا يصنع أمناً مستداماً للأردنيين.
إن مصلحة الشعبين تقتضي حماية هذه الروابط، ورفض الانتقام، وعدم السماح لأي حادثة بأن تتحول إلى خصومة بين شعبين لا مصلحة لهما في العداء.
ومن هنا، تقع على عاتق الحكومات مسؤولية تقديم روايات واضحة، وإطلاع الناس على الحقائق بقدر ما تسمح به مقتضيات التحقيق، والاعتراف بالأخطاء ومحاسبة المسؤولين عنها إن ثبتت. فعندما تسقط أرواح مدنية، وخصوصاً الأطفال، يصبح واجب التوضيح أكبر، لا أقل.
ومن حق عائلات الضحايا أن تعرف حقيقة ما جرى، ومن حق المواطنين أن يطمئنوا إلى أن حياتهم ليست عرضة لقرارات تُتخذ من دون تحقق كافٍ. فالثقة بين الحكومات والشعوب لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى بالشفافية والعدالة والمساءلة؛ أما الغموض، فيترك المجال للشائعات، ويعمّق الشكوك، ويهدد علاقات لا مصلحة لأحد في تدميرها.
نبكي أطفال حوران، ونحمل وجع كل بريء سقط في سورية أو الأردن، لكن الدموع وحدها لا تكفي؛ فلا بد من الحقيقة والعدالة، ومن رفض تحويل دماء أبنائنا إلى وقود لصراعات لا يعرفون من أشعلها ولا من ينتفع منها.
فأيُّ أمنٍ هذا الذي تُحمى فيه حدودٌ بدماء أطفال الجيران؟ وأيُّ انتصارٍ يتحقق حين يصبح الأخ خصماً، والجار عدواً، والضحية متهماً؟
حوران والأردن أكبر من حادثة، وأعمق من خلاف سياسي، وأغلى من أن تفرّق بينهما روايات ملتبسة أو حسابات إقليمية.
من حقنا أن نعرف الحقيقة، ومن واجبنا ألا نسمح للغضب بأن يعمينا عنها، أو للفتنة بأن تهدم جسور القرابة والتاريخ.
ارحموا أطفالنا، واحفظوا دماءنا، ولا تجعلوا من وجع حوران بوابةً لعداوة الأردن؛ فحين يسقط الأطفال لا ينتصر أحد، وحين يقتتل الأشقاء يكون الرابح الوحيد هو من أراد للمنطقة أن تحترق.












