لم يكن إعدام قوات الاحتلال الإسرائيلي فجر اليوم لشاب سوري “معاذ سلامة البعير” من ذوي الاحتياجات الخاصة (متلازمة داون) في ريف درعا الغربي ” قرية جملة” مجرد جريمة حرب ميدانية إضافية تضاف إلى السجل الحافل بالانتهاكات؛ بل جاءت كأحدث حلقة في سلسلة الخروقات الإسرائيلية الصارخة التي تتحدى وتنسف بشكل مباشر أسس القانون الدولي والمنظومة الأممية المنبثقة عن الأمم المتحدة وإن تلازم هذا الاعتداء الوحشي مع إقدام القوات المتوغلة على اعتراض ومنع دورية تابعة لقوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك أندوف من أداء مهامها في ريفي القنيطرة ودرعا يضع المجتمع الدولي برمته أمام مواجهة حتمية مع حقيقة غياب المحاسبة وغياب الشرعية الإنسانية في مناطق النزاع التي باتت مسرحاً مستباحاً لأعمال القتل العمد دون أدنى اعتبار للمواثيق والحصانات الدولية
من المنظور القانوني الدولي الصِرف يتخطى هذا السلوك العسكري حد العبث الأمني المعتاد؛ ليقع تحت الملاحقة الجنائية الدولية الواجبة وفق مقتضيات نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والذي يُجرّم استهداف المدنيين العاجزين عن القتال كجريمة حرب مكتملة الأركان كما يُمثل خرقاً فاضحاً لاتفاقية جنيف الرابعة لعام ١٩٤٩ المعنية بحماية المدنيين في وقت الحرب والنزاعات المسلحة والاحتلال والبلدات المحتلة ومما يضاعف من وطأة هذه الجريمة من الناحية الحقوقية الدولية أنها تشكل انتهاكاً مباشراً لاتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ولا سيما مادتها الحادية عشرة التي تلزم صراحة الدول والكيانات العسكرية باتخاذ تدابير استثنائية وقصوى لضمان سلامة وحماية ذوي الإعاقة خلال الأزمات والتوغلات العسكرية والسيادية والنزاعات الدولية
إن المشهد المأساوي الموثق في بلدة جملة الحدودية يعكس نمطاً مستمراً من استغلال القوة المميتة والمفرطة ضد أفراد عزل لا يشكلون أي تهديد ملموس ولا يملكون القدرة الذهنية أو البدنية الكاملة على استيعاب الأوامر العسكرية أو التصرف السريع في مواقف الخطر المباغت ولم يكن هذا الشاب السوري يحمل سلاحاً أو يقود تمرداً بل كان يحمل عجزاً وبراءة لم تشفعا له أمام فوهات بنادق لا تعرف سوى لغة الموت والإقصاء وهي حقيقة تجعل من الفعل إعداماً ميدانياً بدم بارد يعاقب عليه القانون الدولي الجنائي بشدة ويستوجب رفع الحصانة السياسية والقانونية عن مرتكبيه مهما كانت الذرائع الأمنية التي تحاول سلطات الاحتلال التذرع بها لتبرير جرائمها أمام الرأي العام العالمي
إن الخطورة البالغة في المشهد الحالي لا تقتصر على القتل العمد للمدنيين بل تكمن في الجرأة الإسرائيلية المباشرة على تحدي الآليات والمفوضيات الأممية المنتشرة على الأرض إن عرقلة مهام قوات الـ أندوف التي تشرف رسمياً على مراقبة اتفاق فض الاشتباك التاريخي المبرم لعام ١٩٧٤ يعكس ضرباً بعرض الحائط بقرارات مجلس الأمن الدولي ومحاولة ممنهجة لتغييب شهود العيان الدوليين وتمرير عمليات التنكيل الميداني من دهم واختطاف وتجريف حقول دون رقابة دولية وهو ما دفع بالمفوض السامي لحقوق الإنسان في وقت سابق للمطالبة بتحقيقات عاجلة ومستقلة وشفافة لوقف هذه الانتهاكات المستمرة بحق القرى السورية المتاخمة للحدود والتي تعاني من حصار مزدوج وقصف متكرر يستهدف البنية التحتية وحياة السكان اليومية
تضع هذه الفاجعة المستمرة والانتهاكات المتصاعدة المجتمع الدولي والمؤسسات القضائية والأممية أمام اختبار أخلاقي وقانوني حاسم وحقيقي فالإدانات اللفظية المعتادة وصيغ القلق المستهلكة الصادرة عن عواصم العالم لم تعد كافية لوقف هذا النزيف المستمر بل باتت تُشكّل تواطؤاً ضمنياً يُكرّس سياسة الإفلات من العقاب ويمنح الاحتلال حصانة غير قانونية للتمادي في توغلاته واعتداءاته وإن تقاعس الهيئات الأممية عن اتخاذ إجراءات رادعة ومحاسبة قادة الاحتلال وجنوده يشجعهم على مواصلة ضغط الزناد بدم بارد دون خوف من ملاحقة قضائية أو عقوبات دولية صارمة من شأنها كبح جماح هذه الآلة العسكرية المنفلتة من عقال القوانين والأعراف
إن افتتاحيتنا اليوم هي صرخة مدوية لكسر جدار الصمت الدولي المريب وتطالب الهيئات الحقوقية العالمية والمحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق جنائي فوري ومستقل في جرايمة “قرية جملة” والجنوب السوري كما نؤكد أن دماء ذوي الاحتياجات الخاصة ستبقى وصمة عار لا تُمحى على جبين المجتمع الدولي ما لم يتحرك فوراً للانتقال من مربع الاستنكار والبيانات الورقية الدبلوماسية إلى مربع الفعل القانوني الملزم والمحاسبة الفعلية وفرض حماية دولية حقيقية للمدنيين على طول خطوط المواجهة والتماس لإنقاذ ما تبقى من هيبة للمواثيق الإنسانية التي دُفنت اليوم تحت رصاص الغطرسة العسكرية الإسرائيلية التي لا تجد من يردعها في ظل صمت القوى الكبرى والشرعية الدولية المجزأة.












