أثار قرار نقل النصب التذكاري للقائد صلاح الدين الأيوبي من موقعه أمام قلعة دمشق تساؤلات على منصات التواصل الاجتماعي، وسط تداول معلومات عن الوجهة التي سينقل إليها التمثال، في حين أكدت محافظة دمشق أن العملية تأتي ضمن مشروع إعادة تأهيل محيط القلعة، تمهيداً لصيانة النصب وترميمه وإعادة عرضه في موقع مناسب.
وقالت محافظة دمشق، في بيان نشرته عبر قناتها على تلغرام يوم السبت، إن مديرية دمشق القديمة باشرت، بالتعاون مع منظمة «هاند»، إجراءات نقل النصب استناداً إلى التقرير الفني الصادر عن دائرة آثار دمشق، وبالتنسيق مع الجهات المعنية.
وأوضحت المحافظة أن عملية النقل تهدف إلى معالجة الأضرار التي لحقت بالنصب والحفاظ على قيمته الفنية والتاريخية، مشيرة إلى أن المشروع يندرج ضمن أعمال إعادة تأهيل محيط قلعة دمشق، الرامية إلى تحسين الواقع الخدمي والجمالي والعمراني للمنطقة.
لكن المحافظة لم تحدد الموقع الذي سيُنقل إليه النصب، مكتفية بالإشارة إلى العمل على دراسة وتجهيز مكان ملائم لإعادة عرضه، بما يتيح للزوار مشاهدته من مختلف الزوايا، ويراعي خصوصية المحيط العمراني والتراثي للمدينة.
وتداول ناشطون وصفحات إخبارية على منصات التواصل الاجتماعي معلومات تفيد بنقل النصب إلى موقع بانوراما حرب تشرين المغلق على أوتوستراد العدوي، من دون تأكيد رسمي لهذه المعلومات حتى الآن.
آراء متباينة ومطالبات بتوضيح مصير النصب
وتباينت ردود الفعل على قرار النقل بين متابعين رجّحوا أن يكون الإجراء مؤقتاً ومرتبطاً بأعمال الصيانة، وآخرين أعربوا عن خشيتهم من عدم إعادة النصب إلى محيط القلعة، مطالبين المحافظة بتوضيح مصيره وموقعه النهائي.
ورجّح أحد المعلقين أن تكون أعمال الصيانة شاملة للمكان بأكمله، وأن يُعاد التمثال بعد انتهائها، مشيراً إلى حاجة محيط القلعة إلى تحسينات بصرية واسعة. في المقابل، رأى متابعون أن ترميم النصب في موقعه الأصلي كان الخيار الأفضل، محذرين من أن نقله قد يؤثر في قيمته المرتبطة بالمكان.
وأعرب آخرون عن مخاوفهم من أن يلقى النصب مصيراً مشابهاً لتماثيل أُزيلت من ساحات سورية أخرى، مطالبين بتوضيح الإجراءات المتخذة بشأنه. كما أشار أحد المعلقين إلى صورة قال إنها تُظهر التمثال مغطى الرأس بعد نقله، وبجواره مجسم دبابة يحمل حروفاً عبرية، من دون توافر تأكيد مستقل لهذه التفاصيل.
وفي مقابل الدعوات إلى الحفاظ على النصب، رأى بعض المتابعين أن موقعه السابق لم يكن مناسباً لحجمه ومكانته التاريخية، بينما دعا آخرون إلى إعطاء الأولوية لمعالجة أوضاع المهجرين وإعادة إعمار المنازل المتضررة، معتبرين أن الاحتياجات المعيشية للسكان تستدعي اهتماماً أكبر.
وشددت تعليقات أخرى على أهمية الحفاظ على المعالم التاريخية التي ترتبط بذاكرة دمشق وهويتها الحضارية، داعية إلى إعلان تفاصيل عملية النقل وموقع النصب الجديد، بما يتيح للرأي العام متابعة مصير أحد المعالم المعروفة في محيط القلعة.
جدل يعود إلى تاريخ إقامة النصب
وفي سياق الجدل الدائر حول نقل النصب، استعاد الصحفي محمد منصور، في منشور على صفحته، الاعتراضات التي رافقت إقامته أمام قلعة دمشق عام 1993، بمناسبة الذكرى الثمانمئة لوفاة صلاح الدين الأيوبي.
وقال منصور إن معترضين آنذاك رأوا أن وضع كتلة معمارية حديثة أمام القلعة، المدرجة على قائمة التراث العالمي، لا ينسجم مع طبيعة الموقع الأثري. وأشار إلى روايات متداولة في ذلك الوقت تحدثت عن صدور قرار إقامة النصب في هذا الموقع عن القصر الرئاسي، وعن مكانة النحات عبد الله السيد، مصمم التمثال، في المؤسسات الفنية واللجان المعنية بالنصب التذكارية في عهد النظام السابق.
وأكد منصور أن استحضار هذه الخلفية لا يشكل تبريراً لنقل النصب اليوم، لكنه يسلط الضوء على الجدل الذي رافق إقامته منذ البداية. وأوضح أن موقفه الشخصي يستند إلى مبدأ الحفاظ على المواقع الأثرية من خلال تجنب وضع النصب الحديثة المصنوعة من الخرسانة أمامها، مع مراعاة وجود مسافة فاصلة بين الأبنية الأثرية والمنشآت أو الأعمال الفنية المعاصرة التي تضاف إلى محيطها.
نصب يوثق ذكرى صلاح الدين الأيوبي
ويعود تصميم النصب التذكاري لصلاح الدين الأيوبي إلى عام 1993، بمناسبة مرور 800 عام على وفاته، ويُعد من المعالم المعروفة في محيط قلعة دمشق التاريخية.
ويجسّد النصب القائد صلاح الدين ممتطياً جواده، وإلى جانبه جنديان، وخلفهما أسيران من الفرنجة يُرمز بهما إلى الملك غي دي لوزينيان والأمير أرناط، في إشارة إلى انتصار المسلمين في معركة حطين.
وبينما أكدت المحافظة أن نقل النصب إجراء فني يهدف إلى صيانته والحفاظ عليه، يبقى الموقع الجديد الذي سيُعاد عرضه فيه غير معلن، ما يطرح تساؤلات بشأن طبيعة المكان الذي سيحتضن هذا المعلم التاريخي، ومدى ارتباطه بمحيط قلعة دمشق.
- بثينة الخليل














