في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2026، شهدت ساحة الكرامة في مدينة السويداء مشهداً يصعب على أي كاتب ساخر أن يتخيله. عشرات من أنصار من يسمى بشيخ العقل حكمت الهجري تجمعوا في “وقفة تضامنية” مع حكومة الاحتلال الإسرائيلي، في الذكرى السنوية لهجوم السابع من أكتوبر. رفعوا الأعلام الإسرائيلية، وعلقوا صور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جنباً إلى جنب مع صور الهجري. وحملوا لافتة تقول: “تعددت المجازر والفاعل واحد”.
المشهد لا يخلو من مفارقة لغوية بليغة: من يرفع علم دولة تحتل أرضه، ويضع صورتها إلى جانب صورة زعيمه، ثم يكتب “الفاعل واحد”.. يبدو أنه لم يقرأ اللافتة التي يحملها. أو ربما قرأها جيداً، لكنه يقصد فاعلاً آخر.
الوقفة نظّمها قياديون في المكتب الأمني التابع لتشكيلات مسلحة، من بينهم رامي أشتي ونورس عزام وغيث قنطار، الذين خرجوا برفقة عشرات من عناصر تشكيلاتهم المسلحة. وكما لو أن المشهد لم يكن كافياً، جابت سيارات حديثة وفارهة شوارع المدينة في مسير قبل التجمع، بعضها من دون لوحات نظامية، وبعضها يحمل لوحات غير سورية. هذا في محافظة تشتكي من طوابير طويلة على محطات الوقود، حيث تحصل في بعض المحطات مركبات المجموعات المسلحة على أولوية في التعبئة. فالوقود (المحدود) يصل أولاً إلى من يرفع علم الاحتلال، أما من ينتظر في الطابور.. فكأنه يطلب الدبس من قفى النمس ويتجنب شر العسل.
في العاصمة دمشق، وصفت أوساط رسمية المشاركين بأنهم “أقلية محدودة” من أهالي السويداء، وأن المحافظة “تعاني من سطوة بعض المجموعات المسلحة”. عضو مجلس الشعب عقيل حسين رأى أن “تيار الهجري يحاول يائساً الحفاظ على قنوات اتصاله مع الجانب الإسرائيلي” بعد فقدان الدعم الإقليمي والدولي لمشاريعه. وأضاف أن الضغط الدولي الحالي يصب في مصلحة وحدة الأراضي السورية وسيادتها، وهو ما دفع هذه المجموعات للارتماء في أحضان الاحتلال بشكل علني.
من السخرية أيضاً. يكفي أن تقرأ التصريحات جنباً إلى جنب. من جهة، الهجري يقول في تصريحات سابقة إن دروز السويداء “جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل”، وإن إسرائيل هي “الضامن الوحيد” لأي ترتيبات مستقبلية. ومن جهة أخرى، الحرس الوطني التابع له يغلق البلديات ويقتحم مديريات التربية ريثما يتم حل المجلس الجديد وإجراء انتخابات أصولية. فمن يطالب بالديمقراطية ببندقية، ويرفع علم الاحتلال في وجه دمشق، ثم يكتب “الفاعل واحد”.. يبدو أنه يحاول أن يكون الفاعل الوحيد في كل المعادلات.
بقي أن نعرف: هل كانت هذه “وقفة تضامنية” مع ضحايا 7 أكتوبر.. أم وقفة تسويقية يقدم فيها تيار الهجري أوراق اعتماده الجديدة، بعد أن أدرك أن الدعم الإقليمي يتلاشى والضغط الدولي يتجه نحو وحدة الأراضي السورية؟ اللافتة أجابت مسبقاً: “تعددت المجازر والفاعل واحد”. والمشهد على الأرض يضيف: “تعددت الساحات.. والكرامة واحدة، لكنها ترفع الآن علماً أجنبياً”













