بدأت سوريا في 25 أيلول/سبتمبر 2026 أداء دور جديد في مسارات الطاقة الإقليمية، بعدما انطلقت منها أولى شحنات البنزين القادمة بحراً عبر ميناء بانياس باتجاه العراق براً، في تطور يضيف اتجاهاً عكسياً إلى مسار الطاقة بين البلدين. فبعدما استخدم العراق الأراضي السورية خلال الأشهر الماضية لنقل زيت الوقود إلى بانياس وتصديره عبر البحر المتوسط، بدأ المسار نفسه يُستخدم لاستقبال مشتقات نفطية مستوردة بحراً ونقلها إلى العراق، بما يحوّل الطريق السوري تدريجياً من ممر أحادي الاتجاه إلى ممر قابل لنقل النفط والمشتقات في الاتجاهين.
وبحسب المعطيات المتاحة، وصلت الشحنة الأولى من البنزين إلى ميناء بانياس على متن ناقلة قادمة من البحر المتوسط، قبل تفريغها في خزانات المصفاة وتحميلها على شاحنات صهريجية متجهة إلى العراق. ونُقلت الشحنة بموجب عقد بين شركة تسويق النفط العراقية «سومو» وشركة قطرية لتوريد البنزين المحسّن، فيما تولت شركة «UCC Holding» الإشراف على الجانب المرتبط بالعبور داخل الأراضي السورية.
وتوضح هذه العملية أن الدور السوري الحالي لا يقوم على إنتاج البنزين أو توفيره من المخزون المحلي، بل على استقبال الشحنات المستوردة وتخزينها مؤقتاً وإعادة نقلها براً إلى العراق.
وكان العراق قد بدأ خلال الأشهر الماضية استخدام الأراضي السورية لنقل زيت الوقود إلى ميناء بانياس، قبل تحميل جزء منه بحراً إلى وجهات خارجية.
وأظهرت هذه العمليات أن المرفأ السوري بدأ يستعيد وظيفة تتجاوز تلبية احتياجات السوق المحلية، من خلال أداء دور في استقبال المنتجات النفطية وتخزينها ومناولتها وإعادة تصديرها.
ومع بدء نقل البنزين بالاتجاه المعاكس، بات مرفأ بانياس يؤدي وظيفة مزدوجة تقوم على تصدير منتجات عراقية إلى الأسواق الخارجية، واستقبال مشتقات مستوردة وإرسالها براً إلى العراق.
وتعطي هذه التطورات سوريا موقعاً مختلفاً في خريطة الطاقة الإقليمية، إذ لم يعد دورها المحتمل مقتصراً على كونها دولة عبور للنفط العراقي، بل أصبح مرتبطاً باستخدام مرفأ بانياس ومنشآت التخزين والتكرير والنقل البري في حركة الطاقة بين العراق والبحر المتوسط.
ويتيح هذا الموقع للساحل السوري أن يكون منفذاً للعراق على المتوسط، كما يسمح باستقبال شحنات المشتقات النفطية المستوردة ونقلها إلى العراق ودول الجوار، في حال توسعت العقود التجارية وأعيد تأهيل البنية التحتية اللازمة.
وتزداد أهمية هذا المسار بالنسبة إلى العراق مع سعي بغداد إلى تقليل اعتمادها على طرق التصدير والاستيراد المرتبطة بالخليج ومضيق هرمز.
فقد أظهرت الاضطرابات الإقليمية أن الاعتماد الكبير على منفذ واحد أو مجموعة محدودة من طرق النقل يجعل تجارة الطاقة العراقية معرضة للتعطيل، الأمر الذي دفع بغداد إلى استخدام المسار السوري مؤقتاً لنقل زيت الوقود، ثم إلى دراسة إنشاء بنية أنبوبية دائمة تربط مناطق الإنتاج العراقية بالساحل السوري. ولا يعني ذلك أن طريق بانياس قادر حالياً على أن يحل محل المنافذ الجنوبية، لكنه يمنح العراق خياراً استراتيجياً إضافياً يمكن تطويره على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، بدأ العراق مطلع أيلول/سبتمبر وضع الخطط ودراسات الجدوى والتكاليف لشبكة أنابيب تمتد من البصرة إلى حديثة، وتتفرع منها مسارات باتجاه بانياس السورية وتركيا. ويتضمن التصور الأولي تخصيص طاقة للفرع الممتد من حديثة إلى بانياس، مع اختلاف التقديرات بشأن القدرة النهائية للمشروع بحسب نطاق الشبكة ومراحل تنفيذها؛ إذ تتحدث بعض التقديرات عن قدرة أولية تقارب مليون برميل يومياً، فيما تشير تقديرات أخرى إلى إمكانية رفعها لاحقاً إلى نحو مليوني برميل يومياً.
ولا يمكن اعتبار هذه الأرقام قدرة تشغيلية مؤكدة قبل انتهاء الدراسات الفنية والمالية وتوقيع عقد التنفيذ النهائي.
وسوريا والعراق وقّعتا في تموز/يوليو مذكرتي تفاهم لإعادة تأهيل خط حديثة–بانياس، بمشاركة ائتلاف يضم «Chevron» و«UCC Holding» و«TI Capital» لإجراء الدراسات الفنية والمالية للمشروع.
ولا تعني مذكرات التفاهم بدء التنفيذ المباشر، إذ ما يزال المشروع بحاجة إلى استكمال التقييمات الفنية وتحديد الكلفة ومصادر التمويل ونموذج التشغيل، فضلاً عن الاتفاق على آليات حماية الخط والمنشآت وضمان استمرار تدفق النفط عبر الأراضي السورية.
كما أن مشاركة الشركات في إعداد الدراسات لا تمثل التزاماً نهائياً منها بالاستثمار أو التنفيذ ما لم تتحول النتائج إلى عقد قابل للتمويل والتنفيذ.
ويستند مشروع حديثة–بانياس إلى مسار تاريخي كان يربط النفط العراقي بالساحل السوري والأسواق المتوسطية، إلا أن إعادة تشغيله تتطلب أكثر من إصلاح مقطع أنبوبي واحد. فالمشروع يحتاج إلى تقييم شامل لحالة الأنابيب ومحطات الضخ والخزانات والمنشآت البحرية، إضافة إلى إعادة تأهيل مرافق التخزين والتكرير والمناولة في بانياس.
كما يتطلب إنشاء منظومة أمنية وقانونية تحمي الخط من التخريب والانقطاع، وتحدد بوضوح مسؤوليات التشغيل والصيانة والرسوم والعوائد بين العراق وسوريا والشركات التي قد تتولى إدارة المشروع.
وقد يفتح نجاح خط حديثة–بانياس المجال أمام ربطه لاحقاً بالساحل اللبناني، حيث بحث العراق ولبنان إنشاء فرع يمتد من سوريا باتجاه طرابلس. ويتضمن المقترح إعادة دراسة المسار التاريخي الذي كان ينقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية إلى الساحل اللبناني، مع بحث إمكان الاستفادة من منشآت طرابلس أو إنشاء مرافق تكرير وتخزين تساعد لبنان على تلبية جزء من حاجته إلى المشتقات النفطية.
إلا أن هذا المقترح ما يزال في مرحلة الدراسات والاتصالات الفنية، ولم يتحول إلى مشروع تنفيذي ممول ومحدد الجدول الزمني.
وفي حال تنفيذ فرع طرابلس، ستصبح سوريا نقطة الربط البرية الأساسية بين النفط العراقي ومنفذين على شرق المتوسط، هما بانياس وطرابلس، بدلاً من أن تكون مجرد دولة عبور بين العراق ولبنان.
غير أن هذا الاحتمال يرتبط بتفاهمات ثلاثية بين بغداد ودمشق وبيروت، وبإجراء تقييم فني لحالة البنية التحتية، وتحديد طريقة التمويل والتشغيل والرسوم، إلى جانب توفير ضمانات أمنية وسياسية تسمح باستمرار حركة النفط والمشتقات عبر الحدود. ولذلك لا يمكن التعامل مع مشروع طرابلس بوصفه امتداداً منفذاً لخط حديثة–بانياس، بل باعتباره مساراً موازياً لا يزال في طور البحث.
وتتمثل المكاسب المحتملة لسوريا في رسوم العبور والتخزين والمناولة والنقل، إضافة إلى فرص إعادة تأهيل مرفأ بانياس ومصفاته وشبكة الأنابيب المرتبطة به.
وقد يؤدي استقرار حركة الطاقة إلى جذب استثمارات في الخدمات النفطية والصيانة والتكرير والنقل البحري والبري، كما يمكن أن يمنح الشركات العاملة في القطاع السوري مجالاً لتطوير منشآت التخزين والخدمات اللوجستية.
إلا أن حجم هذه المكاسب سيبقى مرتبطاً بالكميات الفعلية المنقولة، ومدة العقود، وآلية احتساب الرسوم، وحجم الاستثمارات المطلوبة لإعادة تأهيل المنشآت.
وتختلف التقديرات المتعلقة بمدة تنفيذ المشروع وكلفته بحسب نطاق الشبكة المقصودة.
فقد قدرت الشركة السورية للبترول مدة تنفيذ مشروع إعادة تأهيل الخط بنحو 30 شهراً إلى ثلاث سنوات من تاريخ توقيع العقد، في حين تشير تقديرات مرتبطة بالشبكة الإقليمية الأوسع التي تربط حقول العراق بالساحل السوري إلى أنها قد تحتاج إلى نحو أربع سنوات وكلفة لا تقل عن 15 مليار دولار.
وتبقى هذه الأرقام تقديرية، لأن الكلفة النهائية لا يمكن تحديدها قبل انتهاء الدراسات التفصيلية التي تشمل طول الخط، ومحطات الضخ، والخزانات، ومرافق التصدير، وأعمال الحماية والتأهيل.
ولا يعني اهتمام الشركات الدولية بقطاع الطاقة السوري، أو مشاركة «Chevron» في الدراسات، أن تحول سوريا إلى مركز إقليمي للطاقة أصبح أمراً محسوماً. فالمشاريع لا تزال تواجه تحديات تتعلق بتأمين خطوط النقل، وإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، وتوفير التمويل، وضمان سلامة الطرق والمنشآت، فضلاً عن بناء بيئة قانونية واستثمارية قادرة على جذب الشركات الدولية وحماية عقودها.
كما أن استمرار التوترات الأمنية والسياسية قد يرفع كلفة التأمين ويؤثر في قرارات الاستثمار وفي قدرة الأطراف على ضمان استمرارية التشغيل.
ويرتبط نجاح هذا التحول أيضاً بمستوى الاستقرار الإقليمي، ولا سيما في العلاقة السورية–الإسرائيلية، إذ إن استمرار الضربات الإسرائيلية أو بقاء احتمالات التصعيد العسكري مرتفعة يمكن أن يحد من قدرة سوريا على جذب الاستثمارات وتأمين مشاريع الطاقة العابرة لأراضيها.
وقد تضيف مشاريع الطاقة حافزاً اقتصادياً إلى الجهود الأمريكية الرامية إلى الوصول إلى تفاهم أمني بين دمشق وإسرائيل، بما يقلل مخاطر التصعيد ويوفر بيئة أكثر استقراراً للمشاريع الإقليمية، غير أنه لا يوجد حتى الآن ارتباط معلن بين خط حديثة–بانياس أو مشروع طرابلس والمفاوضات الأمنية بين الجانبين.
وبالمحصلة، تكمن أهمية سوريا في مشاريع الطاقة الإقليمية في موقعها الجغرافي بين العراق وشرق المتوسط، وفي امتلاكها مرفأ بانياس ومنشآت يمكن إعادة تأهيلها لتخزين النفط والمشتقات وتصديرها ونقلها براً. ولم يعد جزء من هذا الدور افتراضياً، إذ تحولت بانياس خلال الأشهر الماضية إلى منفذ فعلي لمنتجات نفطية عراقية متجهة إلى الخارج، ثم إلى نقطة استقبال لمشتقات مستوردة تُنقل بالاتجاه المعاكس إلى العراق.
إلا أن الانتقال من ممر مؤقت لنقل الشحنات إلى عقدة إقليمية مستقرة للطاقة سيبقى مرتبطاً بتنفيذ خط حديثة–بانياس، وتأمين التمويل، وإعادة تأهيل المنشآت، وتوفير الضمانات الأمنية والقانونية التي تسمح باستمرار حركة النفط والمشتقات عبر الأراضي السورية.
- بلال محمد الشيخ













