ليس الجولان مجرد قطعة من الأرض يمكن اختزال قصتها في خرائط سياسية متبدلة، ولا قضية يمكن حسمها بتصريح سياسي أو إجراء أحادي الجانب. الجولان أرض سورية، وهذه الحقيقة تستند إلى التاريخ والجغرافيا والقانون الدولي، ولا يمكن للاحتلال أن يمنح السيادة لمن لا يملكها.
منذ احتلال إسرائيل للجولان السوري عام 1967، بقيت قضية الجولان حاضرة في صلب القضية السورية والعربية، وفي أجندة القانون الدولي. وقد أكدت الأمم المتحدة، عبر قراراتها المتعاقبة، عدم الاعتراف بضم إسرائيل للجولان، واعتبرت استمرار الاحتلال مسألة مرتبطة بتطبيق قواعد القانون الدولي.
وفي عام 1981 أصدرت إسرائيل ما عُرف بـ”قانون الجولان”، الذي مدّت من خلاله القانون والإدارة والقضاء الإسرائيلي إلى الجولان السوري المحتل. إلا أن مجلس الأمن الدولي رفض هذا الإجراء بصورة واضحة في القرار 497 لعام 1981، واعتبره لاغيًا وباطلًا وليس له أثر قانوني دولي.
وهنا يكمن جوهر القضية: الاحتلال لا ينشئ السيادة.
فالقانون الدولي يميز بوضوح بين السيطرة الفعلية على الأرض وبين الحق في السيادة عليها. وقد تسيطر دولة على إقليم بالقوة، لكن هذه السيطرة لا تمنحها حقًا قانونيًا في ضمه أو تغيير هويته أو فرض السيادة عليه.
والجولان، قبل الاحتلال، كان جزءًا من الجمهورية العربية السورية، يعيش فيه سكان سوريون، وتوجد فيه القرى والبلدات والأراضي الزراعية والممتلكات التي ارتبطت تاريخيًا بالمجتمع السوري.
وقد دفع سكان الجولان ثمنًا كبيرًا نتيجة الاحتلال والتهجير والنزوح وفقدان الممتلكات. ومع ذلك، بقيت الهوية السورية حاضرة لدى جزء من سكان الجولان، كما بقيت قضية الأرض مرتبطة بحق السوريين في تقرير مستقبلها وفق قواعد القانون الدولي.
إن الحديث عن أن “اليهود سكنوا الجولان” في فترات تاريخية معينة لا يغيّر من الوضع القانوني المعاصر للإقليم. فوجود جماعات أو سكان في منطقة ما في حقبة تاريخية لا يمنح دولة حديثة حق ضم الإقليم بالقوة. ولو كان التاريخ القديم وحده معيارًا للسيادة، لتحولت حدود العالم بأسره إلى نزاعات لا تنتهي.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: من سكن الجولان قبل آلاف السنين؟ بل: ما هو الوضع القانوني للجولان منذ نشوء الدولة السورية الحديثة، وما موقف القانون الدولي من احتلاله وضمّه؟
والإجابة الدولية واضحة في جوهرها: الجولان أرض سورية محتلة، وضمّها من جانب واحد لا يغيّر وضعها القانوني.
إن الدفاع عن حق سورية في الجولان ليس دعوة إلى الحرب، ولا رفضًا للسلام، بل هو تأكيد على مبدأ أساسي من مبادئ النظام الدولي: لا يجوز أن تتحول القوة العسكرية إلى وسيلة لاكتساب الأرض والسيادة.
فإذا أصبح الاحتلال طريقًا مشروعًا لاكتساب الأرض، فإن ذلك يعني عمليًا إلغاء أحد أهم المبادئ التي قام عليها القانون الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وفتح الباب أمام تحويل النزاعات العسكرية إلى وسائل لإعادة رسم الحدود بالقوة.
الجولان سيبقى قضية قانونية وسياسية وإنسانية، وسيبقى حق سكانه في أرضهم وبيوتهم وممتلكاتهم جزءًا أساسيًا من أي تسوية مستقبلية. وقد تتغير الحكومات، وقد تتبدل التحالفات، وقد تتغير موازين القوى، لكن الحقوق القانونية لا تتغير لمجرد تغير الظروف السياسية.
ومن هنا، فإن الرسالة واضحة: الجولان أرض سورية، والاحتلال واقع فُرض بالقوة، لكنه لا يتحول إلى سيادة مشروعة بمجرد مرور الزمن.
الجولان سوري، وسيبقى جزءًا من سورية، وفق التاريخ والجغرافيا والقانون الدولي.














