أعادت السلطات الأميركية، 36 قطعة أثرية إلى سوريا، تُقدّر قيمتها الإجمالية بأكثر من 5 ملايين دولار، بينها منحوتة جنائزية ضخمة من مدينة تدمر و14 لوحة فسيفسائية نُهبت من فيلا رومانية في سوريا، وذلك خلال مراسم أقيمت في مدينة نيويورك بحضور مسؤولين سوريين وأميركيين.
وأعلن مدعي عام مانهاتن ألفين براغ، في 23 أيلول/سبتمبر، إعادة القطع إلى الشعب السوري، مشيراً إلى أن العملية جاءت نتيجة تحقيقات استمرت لسنوات وتعاون دولي في ملاحقة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.
وقال براغ إن التحقيق كان “معقداً ومتعدد الجوانب”، ولم يكن ممكناً إنجازه من دون شراكات وتعاون امتد عبر دول عدة، فيما وصف القائم بالأعمال السوري في واشنطن، محمد ناصر القناطري، إعادة القطع بأنها عودة جزء من تاريخ سوريا إلى بلاده، معتبراً أن التعاون السوري-الأميركي في هذا الملف يعكس التزاماً مشتركاً بحماية التراث الثقافي.

في الصورة: “صنم أنثوي سوري حثي”
قطع مرتبطة بتحقيق في شبكة تهريب آثار
وبحسب بيان مكتب المدعي العام، ترتبط 31 قطعة من أصل القطع الـ36 بتحقيق يتعلق بجورج لطفي (Georges Lotfi)، وهو صيدلاني لبناني سابق تحول إلى تجارة الآثار، وتتهمه سلطات مانهاتن بتهريب ممتلكات ثقافية من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى نيويورك.
وكان مكتب المدعي العام قد حصل على مذكرة توقيف بحق لطفي عام 2022، فيما أصدر الإنتربول نشرة حمراء بحقه عام 2023.
ويؤكد مكتب المدعي العام أن الاتهامات الواردة في مذكرة التوقيف تبقى ادعاءات، وأن المتهم يُفترض بريئاً ما لم تثبت إدانته أمام القضاء.
وفي تموز/يوليو 2021، صادرت وحدة مكافحة تهريب الآثار التابعة لمكتب المدعي العام 23 لوحة فسيفسائية سورية ولبنانية مسروقة من وحدة تخزين يملكها لطفي، بينها فسيفساء ضخمة تُعرف باسم “تيليتي وإيروس”، وتعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد. وتصور الفسيفساء زفاف الإلهين تيليتي وإيروس، إلى جانب أفروديت وربات الجمال الثلاث، وقد صنعت من مئات القطع الصغيرة من الحجارة الملونة.
منحوتة تدمرية هُرّبت إلى دبي
ومن أبرز القطع التي عادت إلى سوريا منحوتة جنائزية ضخمة من الحجر الكلسي من مدينة تدمر الأثرية، تعود إلى أواخر القرن الثاني الميلادي.
وتصوّر المنحوتة رجلاً مستلقياً تحيط به امرأة وثلاثة أطفال، وكانت تزيّن جدار حجرة دفن في أحد القبور التدمرية. ويزيد وزنها على ألف رطل، أي أكثر من 450 كيلوغراماً.
ووفقاً للتحقيق الأميركي، أُخرجت المنحوتة من تدمر وهُرّبت إلى دبي قبل أن تتعرض المدينة الأثرية لأعمال التدمير والنهب التي نفذها تنظيم “داعش” بين عامي 2015 و2017.
وتكشف قصة المنحوتة جانباً من مسارات خروج الآثار السورية من مواقعها الأصلية، إذ انتقلت القطعة من موقع أثري في سوريا إلى خارج البلاد قبل أن تصل إلى سوق الفن الدولي.
تماثيل سورية ظهرت في سوق نيويورك
وضمت القطع المستعادة أيضاً ثلاثة تماثيل نسائية سورية-حِثّية تعود إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، وصُنعت في شمال غربي سوريا.
وبحسب مكتب المدعي العام، ظهرت التماثيل الثلاثة في سوق الفن في نيويورك أواخر ثمانينيات القرن الماضي وأوائل تسعينياته، وكانت بحوزة صاحب معرض فني في نيويورك يدعى إدوارد ميرين، وقد أدين لاحقاً أمام محكمة فدرالية بجرائم مرتبطة بتهريب الآثار، قبل أن تُباع التماثيل إلى جامع الآثار الأميركي مايكل شتاينهارت.
وتشير وثائق قضائية أوردها مكتب المدعي العام إلى وجود صورة لأحد التماثيل وهو مكسور إلى عدة أجزاء ومغطى بالتراب، التُقطت بعد فترة قصيرة من نهبه، في ما اعتبرته السلطات دليلاً ضمن ملف التحقيق.
قطع صودرت من متحف المتروبوليتان ومجموعات خاصة
وشملت عملية الإعادة 13 قطعة كانت قد صودرت من متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك.
وقال مكتب المدعي العام إن سلطاته صادرت منذ عام 2017 ما مجموعه 402 قطعة أثرية من المتحف، تقدّر قيمتها بنحو 98.7 مليون دولار.
كما أعيدت أربع قطع كانت ضمن مجموعة جامع الآثار الأميركي مايكل شتاينهارت، في إطار تحقيق جنائي متعدد السنوات والدول انتهى عام 2021 بإعادة 180 قطعة أثرية تقدر قيمتها بنحو 70 مليون دولار، إلى جانب اتفاق أدى إلى منعه مدى الحياة من اقتناء آثار جديدة.
أكثر من 6,400 قطعة أثرية مستعادة
وقال مكتب المدعي العام في بيانه إن وحدة مكافحة تهريب الآثار التابعة له تمكنت حتى الآن من إدانة 18 شخصاً بجرائم مرتبطة بالممتلكات الثقافية، واستعادت أكثر من 6,400 قطعة ثقافية، بينها كتب نادرة وأعمال فنية وآثار، بقيمة إجمالية بلغت نحو 495 مليون دولار، وأعادت أكثر من 6,200 منها إلى 40 دولة.
وتأتي إعادة القطع السورية في سياق سلسلة عمليات استرداد نفذها مكتب المدعي العام خلال السنوات الأخيرة، استهدفت قطعاً أثرية مرتبطة بشبكات تهريب دولية وصلت إلى سوق الفن في نيويورك ومجموعات خاصة ومؤسسات ثقافية.
أسئلة مفتوحة حول مسار الآثار السورية
ورغم أهمية إعادة القطع الـ36، فإن تفاصيل التحقيق تفتح أسئلة أوسع حول الطريقة التي خرجت بها هذه الآثار من سوريا، والجهات التي تولت نقلها وبيعها، والمسارات التي سلكتها قبل وصولها إلى الولايات المتحدة.
ولا يوضح البيان الأميركي، بصورة كاملة، هوية الأشخاص الذين نفذوا عمليات النهب داخل سوريا، أو جميع الوسطاء الذين شاركوا في نقل القطع خارج البلاد، كما لا يعرض المسار التفصيلي لكل قطعة منذ لحظة خروجها من موقعها الأثري وحتى وصولها إلى سوق الفن أو المجموعات الخاصة.
كما لا يقدم البيان معلومات كاملة عن شبكات الشحن والوسطاء والتجار الذين تعاملوا مع القطع، أو عن جميع الوثائق التي استخدمت لإثبات مصدرها وملكيتها خلال انتقالها بين الدول.
ويبرز كذلك سؤال يتعلق بمصير ملف جورج لطفي، الذي يربط مكتب المدعي العام 31 قطعة من القطع المعادة بالتحقيق المرتبط به، وما إذا كانت التحقيقات قد كشفت عن شركاء أو وسطاء آخرين في الشبكة التي يُشتبه في أنها ساعدت على إخراج الآثار من بلدانها الأصلية ووصولها إلى الولايات المتحدة.
أما الأسئلة المتعلقة باحتمال ارتباط تجارة الآثار السورية بجرائم مالية أخرى، مثل غسل الأموال أو تمويل أنشطة غير مشروعة أو تنظيمات مسلحة، فلا يقدم البيان الصادر عن مكتب المدعي العام إجابات بشأنها، ولا يثبت وجود مثل هذه الروابط في القطع الـ36 التي أعيدت إلى سوريا.
استعادة القطع لا تنهي ملف النهب
وتأتي إعادة الآثار في وقت لا تزال فيه سوريا تواجه ملفاً واسعاً يتعلق بالقطع الأثرية التي فقدت أو نهبت خلال سنوات الحرب، وسط صعوبة في تحديد العدد الكامل للمفقودات وتتبع مساراتها في الأسواق العالمية.
وبالنسبة لسوريا، لا تقتصر أهمية استعادة القطع على قيمتها المادية، إذ تمثل كل قطعة جزءاً من السجل التاريخي والثقافي للمناطق التي خرجت منها، فيما يمكن أن يساعد تتبع مساراتها في الكشف عن آليات عمل شبكات الاتجار غير المشروع بالتراث السوري.
وتطرح القضية، في الوقت نفسه، الحاجة إلى مواصلة توثيق الآثار المفقودة، وتتبع سجلات الملكية والشحن والتصدير، وتعزيز التعاون بين الجهات السورية والدول التي تظهر فيها القطع الأثرية السورية في الأسواق أو المجموعات الخاصة، بما يتيح تحديد مصدرها واستعادتها عند ثبوت خروجها بصورة غير قانونية.

- بثينة الخليل














