كانت الخانات جزءاً أساسياً من الحياة التجارية في دمشق خلال القرن التاسع عشر، إذ احتضنت التجار والقوافل، وخُزّنت فيها البضائع، وأقيمت فيها الدكاكين والمستودعات وغرف التجار. ومن بين أبرز هذه الخانات برز خان أسعد باشا، الذي لم تقتصر وظيفته على استقبال المسافرين، وإنما كان مركزاً تجارياً نشطاً ارتبط بحركة القوافل والأسواق، واحتضن إلى جانب التجارة تفاصيل من الحياة اليومية في دمشق.
وتقدم شهادات الرحالة الذين زاروا دمشق خلال تلك الفترة صورة واضحة عن وظيفة الخان ومكانته، وعن طبيعة النشاط الذي كان يجري داخله وحوله، فيما أعاد الكاتب والباحث تيسير خلف نشر جانب من هذه الشهادات عبر صفحته الشخصية.
لامارتين: خان يشبه «بورصة تجارة دمشق»
في عام 1833، زار الشاعر والرحالة الفرنسي ألفونس دو لامارتين دمشق، ووصف خان أسعد باشا بإعجاب، متوقفاً عند عمارته ووظيفته التجارية.
وكتب لامارتين، في وصفه للخان، أنه وجد في وسط سوق دمشق «أجمل خان في الشرق»، مشيراً إلى قبته الهائلة التي رأى أنها تذكّر بقبة القديس بطرس في روما، وتحملها، مثلها، أعمدة من الغرانيت.
وخلف هذه الأعمدة كانت الدكاكين تنتشر، فيما تؤدي السلالم إلى الطوابق العليا حيث توجد غرف التجار. وكان كبار التجار يستأجرون تلك الغرف لوضع بضائعهم الثمينة ودفاترهم، بينما يتولى حراس السهر على أمن الخان ليلاً ونهاراً.
وكانت إلى جانب الخان إسطبلات واسعة لخيول المسافرين والقوافل، إضافة إلى نوافير للمياه وصفها لامارتين بأنها جميلة ومتدفقة، وتمنح المكان شيئاً من البرودة والانتعاش.
ولخص الرحالة الفرنسي وظيفة المكان بتشبيهه بـ«بورصة تجارة دمشق»، في إشارة إلى دوره بوصفه مركزاً تتجمع فيه حركة التجار والبضائع والمعاملات التجارية.
ولم يقتصر وصف لامارتين على الوظيفة التجارية، إذ أولى اهتماماً كبيراً لمدخل الخان المطل على السوق، واعتبره من النماذج الغنية بالتفاصيل والزخارف، ورأى فيه تجسيداً واضحاً لفنون العمارة العربية.
كما أشار إلى أن الخان كان حديث البناء نسبياً في زمن زيارته، إذ قدر عمره آنذاك بنحو أربعين عاماً، وهي المعلومة التي صححها النص الأصلي إلى نحو خمسة وثمانين عاماً.
وربط لامارتين بين الخانات وبين اقتصاد المدينة، موضحاً أن مثل هذه المنشآت كان يشيدها باشوات أثرياء، ويتركونها لعائلاتهم أو للمدينة، بما يدر عليها إيرادات كبيرة.
البضائع الثمينة وحراسة التجار
تكشف رواية لامارتين عن وظيفة عملية واضحة للخان. فالتاجر لم يكن يأتي إليه لبيع بضاعته فقط، بل كان يستطيع استئجار غرفة يحتفظ فيها بما لديه من سلع ثمينة ودفاتر، في مكان يخضع للحراسة المستمرة.
وكان وجود الإسطبلات إلى جانب الخان مرتبطاً بحركة القوافل والمسافرين، فيما وفرت النوافير والمرافق المختلفة ظروفاً مناسبة للإقامة والاستراحة.
وهذه الوظائف مجتمعة جعلت الخان جزءاً من البنية التجارية للمدينة، ومكاناً تلتقي فيه تجارة التجزئة والتخزين والنقل والإقامة في فضاء واحد.
الكونت دو باري: مشهد من داخل الخان عام 1860
في عام 1860، زار الكونت دو باري خان أسعد باشا، وقدم وصفاً آخر للمكان، يكمل الصورة التي رسمها لامارتين قبل نحو ثلاثة عقود.
ويذكر دو باري أنه وصل إلى الخان حيث كان يوجد مخزن أحد الباعة المسيحيين، ولفت انتباهه الهدوء الذي يخيّم على المكان، وعذوبة المناخ والضوء الخافت، وهي أجواء جعلت الخان ملجأ مناسباً في الطقس الحار.
وكانت في الخان نافورة مياه دافقة وعذبة، يستفيد منها القادمون بعد رحلات طويلة، فيما كانت الجمال المحملة بالبضائع تقف بالقرب من الركائز العريضة، ومنها ما كان يستعد لمواصلة طريقه نحو مكة.
وفي أحد أركان الخان، كان عبد أسود يفرش بسطه الفارسية، بينما جلس رجلان على منصة صغيرة، في مشهد وصفه الرحالة ضمن حركة البيع والشراء التي كانت تجري في المكان.
ويشير دو باري إلى أن معظم التجار الوسطاء كانت لهم مستودعات في أحد خانات المدينة، حيث تُخزّن البضائع وتحفظ من السرقة أو الحريق. كما كانت الخانات توفر تسهيلات مهمة لتحميل البضائع وإنزالها، باعتبارها نقاطاً تصل إليها القوافل وتنطلق منها.
التجارة كما رآها الرحالة
تقدم رواية دو باري أيضاً تفاصيل عن العلاقة بين التاجر والزبون، والتي لم تكن تقوم على البيع والشراء السريع كما قد يتخيل القارئ اليوم.
فالمساومة كانت تستغرق وقتاً، وتتخللها القهوة وتدخين الغليون والأحاديث والمجاملات. ويصف الرحالة أحد الباعة الذين كانوا يعرفون كيف يستقبلون الزبائن، ويستخدمون الكلام اللطيف والمجاملة في إتمام الصفقة.
ويعكس هذا الوصف جانباً من ثقافة الأسواق الدمشقية في ذلك الوقت، حيث كان التفاوض جزءاً من عملية البيع، وكانت الضيافة والمحادثة والاستراحة ترافق التعامل التجاري.
«أبو الأنتيكة».. حين أصبحت القطع القديمة جزءاً من تجارة الخان
بعد ذلك ينتقل الكونت دو باري إلى دكان «أبو الأنتيكة»، وهو سمسار مسن كان يبيع القطع الأثرية التي تجذب السياح الأوروبيين من الطبقات العليا.
ويصف الرحالة قضاء نصف يوم في دكانه، مشيراً إلى أن التعرف إلى الشرق، في نظره، يحتاج إلى وقت، ولا يمكن اختزاله في التنقل السريع بين الأماكن.
ويرسم دو باري مشهداً بصرياً للمكان: شجرة تين خضراء تبرز خلف جدار أبيض، ويمتد ظلها على بلاط من الرخام، فيما يسمح باب نصف مفتوح بدخول شعاع من الضوء إلى غرفة مليئة بالأسلحة والأقمشة.
ويصف عمليات الشراء بأنها كانت في جانب منها ذريعة للاستمتاع بالمكان وما يحيط به من قطع، قبل أن ينتهي الزائر إلى اختيار بعض الأشياء التي أثارت اهتمامه.
وتكشف هذه الرواية عن جانب آخر من النشاط التجاري المرتبط بالخانات، حيث لم تقتصر البضائع على السلع اليومية، بل شملت أيضاً التحف والأقمشة والأسلحة والقطع القديمة التي كانت تستقطب الزوار الأوروبيين.
خان أسعد باشا في قلب شبكة القوافل
توضح الشهادتان أن خان أسعد باشا كان مرتبطاً مباشرة بحركة القوافل التجارية. فوجود الإسطبلات والمستودعات، وتوفير أماكن لتحميل البضائع وإنزالها، إلى جانب وجود التجار والوسطاء، جعل الخان محطة مهمة في دورة التجارة داخل دمشق.
ولذلك فإن وصفه بأنه أشبه بـ«بورصة تجارة دمشق» لا يرتبط فقط بكثرة التجار الذين كانوا يقصدونه، وإنما بطبيعة الوظائف التي جمعها: التخزين، والبيع، والشراء، والإقامة، وحماية البضائع، واستقبال القوافل وتوديعها.
وفي الوقت نفسه، لم يكن الخان معزولاً عن الحياة الاجتماعية للمدينة؛ فقد كانت المقاهي والمطاعم وجلسات القهوة والاستراحة جزءاً من المشهد اليومي، ما جعل المكان مساحة تتداخل فيها الوظيفة التجارية مع الحياة الاجتماعية.
عمارة لافتة في ذاكرة الرحالة
لم تقل أهمية عمارة خان أسعد باشا عن وظيفته الاقتصادية. فقد أثارت قبته وأعمدته وبوابته وتفاصيله الزخرفية اهتمام الرحالة الذين رأوا فيه نموذجاً بارزاً من نماذج العمارة الدمشقية.
وتكشف أوصافهم أن التصميم لم يكن منفصلاً عن الوظيفة؛ فالمساحات الداخلية الواسعة خدمت حركة البضائع والقوافل، بينما وفرت الغرف أماكن لإقامة التجار وحفظ ممتلكاتهم، وأسهمت النوافير والإسطبلات والمرافق الأخرى في تلبية احتياجات القادمين إلى الخان.
وبذلك اجتمعت في البناء عناصر عملية وجمالية، جعلت منه واحداً من أبرز خانات دمشق وأكثرها حضوراً في كتابات الرحالة الأجانب.
من التجارة إلى المشهد الثقافي
ولا تتوقف الإشارات الواردة في المادة عند وظيفة الخان التجارية، إذ يذكر تيسير خلف أن عام 1872 شهد أول تجربة مسرحية في سورية، شاهدها الدبلوماسي الفرنسي يوجين دو فوغيه، ووصفها بأنها عرض من عروض «السبيكتاكل».
وتضيف هذه الإشارة بعداً ثقافياً إلى صورة دمشق في تلك المرحلة، حيث كانت المدينة تشهد، إلى جانب نشاطها التجاري، مظاهر مختلفة من الحياة الاجتماعية والترفيهية التي بدأت تستقطب اهتمام الزائرين الأوروبيين.
خان يختصر جانباً من حياة دمشق القديمة
تقدم شهادات لامارتين والكونت دو باري صورة متعددة الجوانب لخان أسعد باشا؛ فهو مكان لحفظ البضائع، ومقر لإقامة التجار، ومحطة للقوافل، وفضاء للبيع والشراء، ومكان للاستراحة وتناول القهوة، وموقع تتقاطع فيه حركة التجار والمسافرين والوسطاء.
ومن خلال هذه الوظائف، يمكن فهم الخان ضمن منظومة الخانات والأسواق التي شكلت العمود الفقري للحياة التجارية في دمشق خلال القرن التاسع عشر.
أما اليوم، فيحمل خان أسعد باشا قيمة تتجاوز كونه مبنى أثرياً؛ فهو شاهد على مرحلة من تاريخ دمشق كانت فيها التجارة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعمارة والحياة الاجتماعية وحركة القوافل، وتقدم أوصاف الرحالة عنه مادة غنية لاستعادة تفاصيل تلك المرحلة.
وتعيد الشهادات التي نشرها الكاتب والباحث تيسير خلف إضاءة هذه التفاصيل، من وصف القبة والأعمدة والنوافير والإسطبلات، إلى مشاهد التجار والباعة والجمال المحملة بالبضائع وجلسات القهوة والمساومة، لتبقى صورة الخان مرتبطة بمرحلة كانت فيها دمشق مركزاً تجارياً نابضاً بالحركة.
المصدر: الكاتب والباحث تيسير خلف
- بثينة الخليل






