مضيق هرمز وكالات

لم تعد الحرب في إيران مجرد مواجهة عسكرية يمكن قياسها بعدد الضربات أو المواقع المستهدفة. مع مرور الأشهر، بدأت آثارها تظهر في أماكن أخرى، في الاقتصاد، في حركة التجارة، في سوق العمل، وحتى في طريقة تعامل الدولة مع الداخل.

لا تبدو نهاية الحرب قريبة بشكل واضح، وفيما تتحدث واشنطن عن إمكانية التوصل إلى نهاية للصراع، لا تزال المعارك والضغوط المتبادلة مستمرة، بينما تحاول دول المنطقة تجنب انتقال المواجهة إلى ساحات جديدة.

بالنسبة إلى إيران، المسألة أكثر تعقيداً من مجرد الصمود في مواجهة الضربات، فالحكومة تواجه في الوقت نفسه اقتصاداً مثقلاً بالعقوبات، ونقصاً في الطاقة والمياه، وضغوطاً اجتماعية متراكمة، وملفاً نووياً لم يعد من السهل فصله عن مستقبل علاقتها بالغرب. وهنا تحديداً تبدو المرحلة الحالية مختلفة، فالحرب لا تجري خارج المجتمع الإيراني فقط، بل بدأت كلفتها تصل إليه بشكل مباشر.

والأهم أن هذه الأزمات لم تعد تعمل بشكل منفصل، فالعقوبات تضيق مساحة الاقتصاد، والحرب تضغط على التجارة والطاقة، واضطراب حركة الملاحة يرفع كلفة الخيارات الإيرانية، بينما يبقى الملف النووي حاضراً في أي نقاش حول مستقبل العلاقة مع الغرب، وهذا يجعل التحدي أمام طهران أكبر من مجرد تحمل الضربات، إنه يتعلق بقدرة الدولة على إدارة عدة أزمات في الوقت نفسه.

اقتصاد يتلقى الضربة تلو الأخرى

قبل الحرب، لم يكن الاقتصاد الإيراني في وضع مريح أصلاً، العقوبات الأميركية، تراجع الاستثمارات، ضعف العملة، ومشكلات الطاقة والمياه كانت تضغط على الاقتصاد منذ سنوات.

أدت التطورات العسكرية والعقوبات المشددة إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد الإيراني، مع تراجع قيمة العملة وارتفاع التضخم، في وقت تواجه فيه البلاد أصلاً نقصاً متكرراً في الكهرباء والمياه، كما أصبحت انقطاعات الكهرباء مشكلة متكررة تؤثر في النشاط الاقتصادي.

هذه الأرقام تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن السياسة، لكنها في الواقع جزء أساسي منها، المواطن لا يختبر العقوبات باعتبارها قراراً صادراً عن وزارة الخزانة الأميركية، بل من خلال سعر المواد الغذائية، وفرص العمل، وقيمة راتبه، وقدرته على دفع تكاليف حياته اليومية.

وتقدم عودة آلاف الأفغان من إيران مثالاً واضحاً على ذلك، إذ فقد مهاجرون أعمالهم أو لم يحصلوا على أجورهم، في وقت أصبحت فيه أسعار المواد الأساسية أعلى بكثير، فيما اقترب تضخم أسعار الغذاء من 130 في المئة.

قد تبدو قضية العمال الأفغان هامشية أمام حجم الحرب، لكنها في الحقيقة تكشف جانباً من آثارها الاجتماعية، فحين يصبح الاقتصاد غير قادر على توفير فرص العمل حتى لفئة اعتمدت لسنوات على السوق الإيرانية، فهذا يعني أن الأزمة تجاوزت المؤشرات المالية ووصلت إلى الحياة اليومية.

وهنا تظهر نقطة أوسع، المشكلة ليست فقط في حجم الخسائر الاقتصادية، وإنما في قدرة الدولة على الحفاظ على الخدمات والإنفاق والاستقرار الاقتصادي في وقت واحد، فكلما طال أمد الحرب، أصبح التعافي أكثر ارتباطاً بقدرة الحكومة على توفير موارد جديدة، وإعادة تشغيل البنية التحتية، والحفاظ على تدفق التجارة والطاقة.

هرمز، ورقة ضغط إيرانية والعالم يراقب

في المقابل، لا تزال إيران تملك أوراقاً يمكنها استخدامها في المواجهة، أبرز هذه الأوراق هو مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، وخلال الفترة الأخيرة، تراجعت حركة السفن التجارية عبر المضيق، بينما بقيت الأسواق العالمية تراقب أي تصعيد يمكن أن يؤثر في إمدادات النفط والغاز.

وفي الواقع، لم يعد هرمز مجرد ورقة تستخدمها طهران في الخطاب السياسي، فالتراجع الكبير في حركة السفن عبر المضيق أصبح عاملاً اقتصادياً قائماً بذاته، ومع استمرار اضطراب الملاحة، ترتفع المخاوف بشأن إمدادات الطاقة والتجارة العالمية.

طهران استخدمت أكثر من مرة لغة التهديد تجاه البنية التحتية للطاقة في الخليج، وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن استهداف الأصول الإيرانية سيؤدي إلى استهداف أصول الطاقة في الخليج.

لكن من المهم التمييز هنا بين التهديد السياسي وبين ما يمكن أن يحدث فعلياً، فإيران تستطيع استخدام هرمز كورقة ضغط، لكن أي تعطيل طويل الأمد للمضيق سيحمل كلفة كبيرة على دول المنطقة وعلى الاقتصاد العالمي، وقد يرفع في المقابل مستوى الضغط الدولي عليها، ولهذا يبدو هرمز أشبه بورقة ذات حدين، يمكن لطهران استخدامها للضغط، لكنها ليست ورقة بلا ثمن.

وهذه المفارقة تتكرر في أكثر من ملف، فكل أداة تمنح إيران قدرة على الضغط تحمل معها كلفة محتملة، هرمز قد يمنحها نفوذاً على حركة الطاقة، لكنه يهدد التجارة أيضاً، والتحالفات الإقليمية تمنحها مساحة للرد خارج حدودها، لكنها توسع دائرة المواجهة، أما الملف النووي فيمنحها ورقة تفاوضية، لكنه يبقيها في الوقت نفسه تحت رقابة وضغوط دولية مستمرة.

العقوبات لم تعزل إيران بالكامل

رغم العقوبات، لم تنقطع إيران بالكامل عن الاقتصاد العالمي، الصين بقيت إحدى أهم قنوات التجارة بالنسبة إليها، وظهرت خلال السنوات الماضية طرق مختلفة للالتفاف على العقوبات.

وظهرت ترتيبات مقايضة بين إيران والصين للحصول على بضائع صينية مقابل النفط، في محاولة لتجاوز جزء من القيود المفروضة على النظام المالي الإيراني.

لكن استمرار هذه القنوات لا يعني أن العقوبات فقدت تأثيرها، بالعكس، الحاجة إلى طرق تجارية ومالية بديلة تعكس حجم القيود التي يواجهها الاقتصاد الإيراني.

وألغت تركيا ترخيص تشغيل فرع بنك ملت الإيراني في إسطنبول، في خطوة جاءت وسط ضغوط متزايدة على المؤسسات التي تتعامل مع طهران.

بالنسبة إلى إيران، كل خطوة من هذا النوع تضيق مساحة الحركة المالية، حتى لو لم تصل إلى حد قطع العلاقات الاقتصادية مع العالم.

وهذا يوضح طبيعة الوضع الاقتصادي الإيراني، فالعقوبات لم تتمكن من عزل البلاد بالكامل، لكنها دفعتها إلى الاعتماد بصورة أكبر على قنوات تجارية ومالية أكثر تعقيداً، وهو ما يجعل الاقتصاد قادراً على الاستمرار، لكنه يرفع في الوقت نفسه كلفة هذا الاستمرار.

النووي، الملف الذي عاد إلى الظل لكنه لم يختفِ

وسط الحرب، تراجع الحديث اليومي عن البرنامج النووي الإيراني، لكن الملف نفسه لم يتراجع، المشكلة الأساسية اليوم هي مستوى المعلومات المتاحة للوكالة الدولية للطاقة الذرية وقدرتها على التحقق من وضع المنشآت والمواد النووية الإيرانية، وقد جعلت الحرب مهمة التحقق أكثر صعوبةً، ما زاد مساحة عدم اليقين.

وهذا مهم لأن الملف النووي لا يتعلق فقط بما تملكه إيران اليوم، وإنما أيضاً بما يستطيع المجتمع الدولي التحقق منه.

أي مسار تفاوضي مقبل بين واشنطن وطهران سيجد نفسه أمام هذه المسألة، إلى جانب العقوبات والضمانات الأمنية، ولذلك يصعب تخيل تسوية مستقرة تتجاهل الملف النووي، حتى لو كان وقف الحرب هو الأولوية الأولى.

وتزداد أهمية هذه المسألة مع استمرار الخلاف حول آليات الرقابة الدولية، لأن أي تفاوض مستقبلي لن يتعلق فقط بالعقوبات أو بوقف العمليات العسكرية، بل أيضاً بمدى قدرة الأطراف على إعادة بناء آليات تحقق يمكن الوثوق بها.

الحرب لا تبقى خارج الحدود

المواجهة لم تعد محصورة في إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، ارتبط التصعيد أيضاً بالحوثيين والسعودية وبأمن طرق التجارة في البحر الأحمر والخليج، كما بقيت أسعار النفط فوق حاجز المئة دولار للبرميل، في ظل المخاوف من اضطرابات الإمدادات.

هذا يعني أن استمرار الحرب يرفع الكلفة على المنطقة كلها، وليس على إيران وحدها، وفي الوقت نفسه، فإن اتساع دائرة المواجهة يجعل الوصول إلى تسوية أكثر تعقيداً، فحتى إذا نجحت واشنطن وطهران في التوصل إلى تفاهم مباشر، تبقى هناك ملفات إقليمية يمكن أن تستمر في إنتاج التوتر.

وهذه واحدة من أصعب نقاط الأزمة، من الصعب فصل الملف الإيراني عن شبكة النزاعات المحيطة به، لأن أي تسوية بين واشنطن وطهران ستجد نفسها أمام ملفات أخرى تتعلق بأمن الخليج، وطرق التجارة، وأسعار الطاقة، والعلاقات الإقليمية.

الداخل الإيراني أمام ضغط إضافي

على المستوى الداخلي، تبدو الحرب وقد رفعت أهمية العامل الأمني، حيث أعلنت السلطات القضائية الإيرانية إعدام رجل قالت إنه أدين بالتجسس لصالح إسرائيل وتزويدها بمعلومات عن مواقع صاروخية في محافظة أصفهان.

هذه الصياغة مهمة، لأن اتهام شخص بالتجسس لا يصبح حقيقة لمجرد أن السلطات أعلنته، لكن توقيت الإعدام يعكس في الوقت نفسه حساسية الملف الأمني داخل إيران في ظل الحرب.

الحرب عادةً تمنح الحكومات مساحة أكبر لتشديد الإجراءات الأمنية، لكنها تضعها أيضاً أمام سؤال أصعب، كيف تحافظ على الأمن من دون أن تتحول الإجراءات الاستثنائية إلى واقع دائم؟

وهذا السؤال لن يكون هامشياً في إيران، خصوصاً مع وجود تاريخ طويل من التوتر بين الدولة وشرائح من المجتمع.

لكن الضغط الداخلي لا يرتبط بالأمن وحده، فكلما طال أمد الأزمة الاقتصادية، يصبح أداء الدولة في توفير الكهرباء والمياه والسلع والخدمات جزءاً من علاقتها اليومية مع المجتمع، وهنا يمكن أن تتحول المؤشرات الاقتصادية من أرقام في التقارير إلى عامل مباشر في مستوى الثقة والاستقرار.

إيران بعد الحرب ليست هي إيران قبلها

ربما يكون من المبكر الحديث عن شكل إيران بعد انتهاء الحرب، لكن من الممكن ملاحظة شيء واحد بوضوح، حتى لو توقفت الضربات غداً، فإن آثار الحرب لن تتوقف معها مباشرةً.

هناك اقتصاد يحتاج إلى التعافي، وبنية تحتية تحتاج إلى إصلاح، وعلاقات إقليمية تضررت، وملف نووي يحتاج إلى إعادة بناء آليات الرقابة والثقة، فضلاً عن عقوبات لن تختفي بمجرد إعلان وقف إطلاق النار.

وفي المقابل، لا يعني الضغط الاقتصادي والعسكري تلقائياً أن النظام الإيراني سيغير سياسياً، مثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة مستقلة لا تزال غير متوفرة بشكل كافٍ.

المؤكد أن طهران دخلت هذه الحرب وهي تواجه مشكلات متراكمة، وفي حال انتهت الحرب، ستبقى أمامها مضطرةً إلى التعامل مع جزء كبير منها في وقت واحد.

وهذا ربما ما يكمن في المسألة الأهم، فالمعركة بالنسبة إلى إيران لم تعد فقط في السماء أو في البحر، جزء كبير منها يجري الآن داخل الاقتصاد، وفي قدرة الدولة على الحفاظ على الخدمات، وفي علاقتها بالمجتمع، وفي قدرتها على إدارة شبكة تحالفاتها الإقليمية، وفي الوصول إلى صيغة ما مع العالم حول برنامجها النووي.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي بعد الحرب لن يكون فقط في إعادة بناء ما دمرته الضربات، بل في إدارة اقتصاد أضعفته سنوات العقوبات، وشبكة إقليمية أصبحت أكثر كلفة، وملف نووي يحتاج إلى آليات رقابة واضحة، ومجتمع تحمل أصلاً أعباء اقتصادية واجتماعية متراكمة.

لذلك فإن نهاية الحرب، عندما تأتي، لن تكون نهاية الأزمة بالضرورة، قد تكون فقط بداية المرحلة الأصعب: كيف تعيد إيران ترتيب الداخل والخارج بعد حرب غيّرت كلفة الخيارات كلها؟

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top