احتجاجات للسوريين بسبب رفع اسعار المشتقات النفطية إكس وزارة الطاقة

في الثالث عشر من أيلول الجاري، رفعت اللجنة السورية المختصة بتسعير المشتقات النفطية سعر لتر البنزين من 152 إلى 195 ليرة سورية جديدة، وسعر المازوت من 125 إلى 175 ليرة، بزيادة تقترب من 30 بالمئة دفعة واحدة. لم تمر ساعات على القرار حتى اشتعلت الإطارات على طرقات الحسكة والرقة ودير الزور، ثم امتدت الاحتجاجات إلى حلب وإدلب وحماة ودرعا وحمص، في أوسع موجة غضب شعبي تشهدها المحافظات السورية منذ سقوط نظام الأسد. طالب متظاهرون بالتراجع عن التسعيرة، وطالب بعضهم باستقالة وزير الطاقة، ودعا آخرون إلى إسقاط الحكومة كاملة. وحده الاستثناء اللافت كان دمشق، التي لم تشهد تظاهرات مباشرة، واكتفت بإضراب جزئي لسائقي السرافيس.

خلف هذا المشهد الميداني، دارت في موازاته معركة أخرى لا تقل حدة: مئات التعليقات تحت منشورات فيسبوك التي تناولت الاحتجاجات، تعكس صورة أكثر تعقيداً من ثنائية “مع الحكومة أو ضدها”. قراءة متأنية لهذه التعليقات تكشف أن الغضب من غلاء المحروقات ليس سوى الواجهة الظاهرة لخلافات أعمق حول شكل الدولة السورية الجديدة، ومعنى الشرعية، ومكان كل مكوّن اجتماعي فيها.

الرواية الرسمية وأرقامها

تبرر وزارة الطاقة القرار بعوامل خارجة نسبياً عن إرادتها: ارتفاع كلفة استيراد المشتقات النفطية عالمياً، وخضوع مصفاة بانياس، العمود الفقري لتكرير النفط محلياً، لأعمال صيانة تمتد نحو شهرين، ما يضاعف الحاجة إلى الاستيراد الجاهز بأسعار السوق الدولية. الوزارة تصف القرار بأنه مؤقت، مرتبط بعودة المصفاة إلى طاقتها وبتحركات أسعار النفط عالمياً. وزير الطاقة محمد البشير سبق أن أشار إلى أن حاجة سوريا اليومية تقارب 350 ألف برميل، بينما لا يتجاوز الإنتاج المحلي الحالي 100 ألف برميل، وهي فجوة تجعل الاستيراد ضرورة ملحة.

على الجانب المالي، تكشف بيانات وزارة المالية للنصف الأول من 2026 أن الإيرادات العامة بلغت نحو 2.7 مليار دولار مقابل إنفاق قارب 3.7 مليارات، أي عجز بحدود مليار دولار. غير أن التفصيل الأكثر إثارة للجدل في بنية الإنفاق هو أن النفقات الإدارية استحوذت على نحو 28 بالمئة من الموازنة، مقارنة بـ36 بالمئة للأجور والتعويضات، و28 بالمئة فقط للنفقات الاستثمارية، وما لا يتجاوز 9 بالمئة للدعم والحماية الاجتماعية.

بعبارة أخرى، يذهب أكثر من ربع الإنفاق العام إلى تشغيل جهاز الدولة نفسه، فيما تحصل شبكة الأمان الاجتماعي، التي يُفترض أن تمتص صدمة قرارات كهذه، على أقل من عُشر الموازنة. هذه النسبة تحديداً هي ما التقطته تعليقات كثيرة، وتحولت إلى دليل يُستشهد به على أن الأولويات الحكومية لم تُرتب بما يتناسب مع حجم الأزمة المعيشية.

غضب مزدوج: من الغلاء ومن الصمت

القاسم المشترك بين معظم التعليقات، بصرف النظر عن موقفها من الحكومة، هو المطالبة بالشفافية قبل أي شيء آخر. كثيرون لا يعترضون على فكرة أن الدولة المفلسة، الخارجة للتو من عقود من الفساد وسنوات من الحرب، مضطرة لاتخاذ قرارات مؤلمة. اعتراضهم ينصب على غياب خطاب رسمي مقنع يشرح لماذا تُفرض الزيادة الآن تحديداً، وما البديل المطروح لموسم التدفئة القادم، ولماذا لم تُرافق القرار إجراءات تقشف موازية في بند المصاريف الإدارية.

تعليقات عديدة استحضرت رواتب مسؤولين في قطاع النفط تتراوح بين أربعة وعشرة آلاف دولار شهرياً، إلى جانب سيارات ومخصصات وقود، في مقابل مواطن يُطلب منه تحمل زيادة تلقائية في كل شيء يستهلكه. آخرون قارنوا بين الإنفاق على بناء عدد كبير من المساجد خلال عام واحد وبين حاجة ملحة لوحدات سكنية أو شبكة حماية اجتماعية.

في المقابل، ثمة صوت آخر داخل التعليقات نفسها يحذر من تسييس الأزمة أو اختزالها في مقارنات مع الماضي. يرى أصحاب هذا الرأي أن الدولة السورية لم تكمل عامين على التغيير، وأن قدراتها الفعلية شبه معدومة بعد عقود من النهب والحرب والعقوبات، وأن حجم الإصلاح المطلوب يُقاس بمئات مليارات الدولارات وليس بقرارات إدارية سريعة.

من هذه الزاوية، يُنظر إلى المقارنات المتسرعة بين اليوم والأمس بوصفها ثرثرة سياسية تتجاهل واقع بلد يحاول النهوض من الصفر تقريباً، بينما القدرة الإنتاجية والموارد السيادية ما زالت بعيدة عن تغطية الاحتياجات الأساسية.

الخط الفاصل الذي لا يُقال صراحة

يصعب قراءة هذه التعليقات دون ملاحظة بُعد آخر، أقل إفصاحاً لكنه حاضر بقوة: إحساس بعض المعلقين بأن الاحتجاج الحالي مبالغ فيه، وأن ثمة ازدواجية في معايير الاحتجاج والاعتراض.

يقول: أمضى أبناء السويداء المنتمين للهجري عاماً كاملاً في ظل غياب الخدمات تقريباً من دون احتجاج واسع ضده، وعاش مؤيدو بشار سنواتٍ بمرتبات هزيلة وظروف معيشية قاسية، فيما بقي كثيرون منهم أوفياء له حتى بعد هروبه؟

وكيف أمضت مناطق سيطرة “قسد” نحو عقد تحت حكمها من دون أن يرفع الناس صوتهم بالقدر نفسه؟ ثم يقارن ذلك بما يجري اليوم، في ظل حكومة يقول إنها تعمل على تحسين الخدمات ورفع الرواتب وإعادة الإعمار، ومع ذلك لا يكاد يمر أسبوع من دون مظاهرة ضدها.

هذا الخط يكشف أن أزمة المحروقات، رغم كونها اقتصادية في جوهرها، تحولت إلى مساحة تُستدعى فيها مظالم قديمة ومقارنات بين مكوّنات المجتمع السوري، في وقت لا تزال فيه البلاد تبحث عن عقد اجتماعي جامع بعد سنوات القطيعة. وهذا ما يجعل ملف “سعر لتر البنزين” أثقل بكثير مما يبدو ظاهرياً، لأنه يفتح، عند كل احتكاك، أسئلة الهوية والانتماء والعدالة الانتقالية التي لم تُحسم بعد.

أين المخرج؟

بين من يطالب الحكومة بالتراجع فوراً عن القرار، ومن يدعوها إلى التقشف من رأسها قبل أن تطلبه من قاعدة الهرم، ومن يحذر من فوضى تُستغل لأغراض لا علاقة لها بلقمة العيش، يبقى العامل المشترك الأوضح في كل هذه الأصوات هو المطالبة بخطة واضحة ومعلنة: ما البديل لموسم الشتاء، وكيف ستُموّل شبكة حماية اجتماعية حقيقية، ولماذا لا يترافق كل قرار تقشفي شعبي مع إجراء موازٍ يطال جهاز الدولة نفسه.

الحكومة من جانبها تراهن على رفع الإنتاج المحلي من النفط إلى ما بين 200 و250 ألف برميل يومياً خلال الفترة المقبلة، وهو رقم إن تحقق فعلاً قد يخفف الفجوة تدريجياً. لكن بين الرهان والتحقق مسافة زمنية، والمواطن الذي يدفع فاتورة المازوت اليوم لا يملك ترف الانتظار.

ما تكشفه هذه التعليقات، في نهاية المطاف، أن الأزمة ليست فقط في رقم على نشرة الأسعار، إنما في المسافة المتزايدة بين لغة تتحدث بها المؤسسات عن “إصلاح هيكلي” و”تحديات عالمية”، ولغة يتحدث بها الشارع عن فاتورة الخبز والمازوت وأجرة المواصلات. سد هذه المسافة، أكثر من أي قرار تسعير، هو ما قد يحدد مسار الأشهر المقبلة.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top