تشكّل خطوة حل “قسد” والاندماج في المؤسسة العسكرية والأمنية للدولة السورية انعطافة جيو-سياسية ومحطة فارقة في تاريخ المنطقة؛ إذ نجحت في تجنيب البلاد سيناريوهات التقسيم والتفكك الهيكلي.
لم يكن اتخاذ هذا القرار من قِبل القيادة الميدانية، ممثلة بمظلوم عبدي وبدعم وتوجيه من عبد الله أوجلان، مجرد مناورة تكتيكية، بل قرار استراتيجي انحاز لخيار الدولة والاندماج في النسيج الوطني على حساب نزعات الانفصال وتأجير البندقية للمشاريع الخارجية.و كان قرارا جريئا انحاز فيه الى الخيار السلمي متجاوزا خيارات التطرف والتجييش التي سعت لوصن هذا المسار بالاستسلام
دوافع القرار وأهميته الإستراتيجية:
تغليب الخيار الوطني: فقد تجاوز خطورة حصر القضية الكردية في مشروع إداري/عسكري منفصل عن العاصمة دمشق. إحباط مشاريع الاستنزاف: تفادى مظلوم عبدي الوقوع في فخ الحرب السجالية الممتدة التي تُديرها قوى إقليمية ودولية على أرض سوريا وعلى حساب أبنائها.
حفظ الدماء وتماسك المجتمع: يطمح القرار الى حماية مناطق شمال شرق سوريا والمكونات المحلية من تداعيات صدام عسكري مباشر مع القوات الحكومية أو التدخلات الخارجية.
هذا القرار كان الرد على خطابات التطرف: قطع الطريق على التيارات الراديكالية التي رأت في السلام “استسلاماً”، وإثبات أن بناء مستقبل المكون الكردي يكون كجزء أصيل من الدولة السورية لا على هامشها.
مرونة الاستجابة من الدولة السورية
تكامل هذا الموقف مع المقاربة التي اعتمدتها السلطة المركزية بمهارة ، والتي استندت إلى الآتي: إدارة الملف بالصبر السياسي: واستبدال الحل العسكري الشامل بالحوار والتفاهم والتكامل المؤسساتي.
رفض منطق الغلبة والثأر: استيعاب التشكيلات وضمان حقوق الأفراد والضباط ضمن مؤسسات الدولة دون اللجوء إلى سياسات التهميش أو العقاب الجماعي.
ترسيخ مبدأ سيادة القانون: التأكيد على أن الدولة هي الضامن الوحيد والأعلى لكافة المكونات الوطنية.
أبجديات السوريّة الجديدة
تضع هذه الخطوة حداً لمشاريع الاستقطاب وصناع الأزمات من كافة الأطراف، وذلك عبر إنهاء الاستعلاء والخطاب الإقصائي وإسقاط أي نبرة قومية أو فئوية تحاول تقزيم حقوق أي مكون سوري.
ومن المأمول بعد الان إسكات طبول الحرب وتعزيل “تجّار الأزمات” ودعاة التحريض المذهبي والقومي الذين يستمدون وجودهم من استمرار حالة اللا-سلم واللا-حرب.
ويتم التاكيد على إعلاء دولة المواطنة حيث يتم التأسيس لنموذج سياسي يستند إلى حقوق وواجبات متساوية لكل مواطن سوري، بعيداً عن معادلة “الغالب والمغلوب”.
الانعكاسات الاقليمية واعادة ترتيب اوراق المنطقة.
لا تتوقف أبعاد قرار حل “قسد” والاندماج في الدولة السورية عند الحدود الوطنية فحسب، بل تمتد لتُحدث زلزالاً إيجابياً في معادلات الإقليم، يمكن قراءته عبر النقاط التالية: سحب الذرائع وتفكيك الذرائع التركية: يُسقط هذا الاندماج الحجة الأساسية التي طالما استندت إليها أنقرة للقيام بتدخلات عسكرية متكررة في الشمال السوري. فبتحوّل الحدود إلى مسؤولية حصرية للجيش العربي السوري والمؤسسة الأمنية الرسمية، ينكفئ خطر التهديدات الحدودية وتنتفي المبررات الجيوسياسية لأي وجود عسكري أجنبي غير شرعي.
إعادة تشكيل الدور الأمريكي وتجريد المشروع من الغطاء:
يضع القرار قواعد اللعبة الجديدة أمام واشنطن والدول الغربية؛ إذ يُنهي حقبة “الشرعية الفصائلية” ويجبر القوى الدولية على التعامل المباشر والرديف مع الدولة المركزية في دمشق، مما يسارع في حتمية الانسحاب الأمريكي بعد فقدان مبرر الشراكة المحلية خارج إطار الدولة.
إغلاق ملف “الكانتونات” وتوجيه صفعة لمشاريع التقسيم:
يرسل هذا التحول رسالة صارمة لكافة القوى الإقليمية التي راهنت على تفتيت دول المشرق العربي على أسس طائفية أو إثنية. إن إعادة ترسيخ وحدة الجغرافيا السورية تُعدّ حجراً أساسياً في حماية الأمن القومي العربي ومنع عدوى التجزئة في دول الجوار.
تعزيز أوراق دمشق الإقليمية والدولية:
يُعيد هذا الاتفاق لدمشق سيادتها الكاملة على مواردها الاستراتيجية (النفط، والقمح، والمياه)، مما يمنحها قوة تفاوضية أكبر في الملفات الإقليمية، ويُسرّع من وتيرة تعافيها الاقتصادي وعودتها الكاملة إلى عمقها العربي والدولي كفاعل رئيسي لا يمكن تجاوز دوره.
تأثيرات داخلية على المشهد الكردي الإقليمي:
يُمثّل اتجاه القيادة الميدانية بدعم من عبد الله أوجلان نحو خيار الاندماج الوطني نموذجاً جديداً للترابط الكردي-العربي؛ إذ يُثبت أن تحصيل الحقوق والمواطنة لا يمر عبر القطيعة مع العواصم الوطنية، بل عبر الشراكة التاريخية داخلها، وهو ما سينعكس هدوءاً وتراجعاً لمنطق المواجهة المسلحة في دول الجوار.






