لقاء الرئيس الشرع مع مظلوم عبدي والهام أحمد بحضور الشيباني معرفات رئاسة الجمهورية على تلغرام

يقدّم قرار قوات سوريا الديمقراطية حلّ نفسها والاندماج في مؤسسات الدولة السورية واحداً من أهم التحوّلات السياسية في المشهد السوري خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط لأنه ينهي شكلاً من أشكال السلطة العسكرية المحلية، بل لأنه يعبّر عن انتقال واعٍ من منطق القوة المسلحة إلى منطق الحقوق المضمونة داخل الدولة. هذا القرار، مهما تعددت القراءات حول دوافعه وسياقاته، يضع أمام السويداء، بما تمثله من خصوصية اجتماعية وسياسية، سؤالاً حاداً: هل تستوعب النخب فيها هذا الدرس، أم تواصل الدوران في حلقة الارتهان للخارج والتشرذم الداخلي؟

الكرد في سوريا خاضوا تجربة معقدة، دفعوا فيها أثماناً باهظة من التهميش والإنكار، لكنهم في لحظة سياسية فارقة أدركوا أن استمرار البنية العسكرية والإدارية المنفصلة عن الدولة يحمل في طياته حدوداً خطرة: حدود الجغرافيا، وحدود التوازنات الإقليمية، وحدود قدرة الخارج على الاستمرار في دعم مشاريع لا تخدم إلا مصالحه العابرة. لذلك اختاروا، أو اضطروا، إلى إعادة تعريف موقعهم داخل الدولة، ليس من موقع التابع أو المهزوم، بل من موقع شريك يفاوض على حقوقه القومية والثقافية والسياسية، ويحوّل ما راكمه من نفوذ خلال الحرب إلى مكاسب دستورية وتشريعية وثقافية قابلة للاستمرار.

هذا التحوّل لا يعني أن القضية الكردية حُلّت بالكامل، ولا أن كل المطالب تحققت، لكنه يعني شيئاً بالغ الأهمية: أن الواقعية السياسية يمكن أن تكون أداة لحماية الهوية والحقوق، لا أداة لتصفيتهما. وأن الاندماج في مؤسسات الدولة، إذا جرى على قاعدة تفاوضية واضحة، قد يكون أكثر جدوى من البقاء في حالة “كيان معلّق” بين الداخل والخارج، بين السلاح والسياسة، وبين الشعارات الكبرى والوقائع القاسية.

من هنا، يصبح السؤال عن السويداء سؤالاً عن القدرة على التعلّم من تجربة الآخرين، لا عن استنساخها حرفياً. فالسويداء، خلال السنوات الماضية، عاشت بدورها حالة من الانفصال الرمزي والفعلي عن الدولة المركزية: سلاح محلي، فصائل متنازعة، نفوذ زعامات، حضور متزايد لخطابات “الحماية” و”الخصوصية”، وتداخل مع مشاريع مرتبطة بالخارج، سواء تحت عناوين الحماية الدولية أو الدعم السياسي أو التمويل. هذه الحالة منحت بعض القوى المحلية شعوراً زائفاً بالقوة، لكنها في العمق كرّست هشاشة البنية الاجتماعية، وعمّقت الانقسام بين من يرى في الدولة خصماً تاريخياً، ومن يراها الإطار الوحيد الممكن لضمان الحقوق والاستقرار.

المشاريع المرتبطة بالخارج، كما تكشف التجربة الكردية نفسها، عمرها من عمر المصالح. الخارج لا يستثمر في كيان محلي أو مشروع انفصالي أو حالة تشرذم إلا بقدر ما يخدم أوراقه التفاوضية وأدوات الضغط في الإقليم. وحين تتغيّر الأولويات، أو تُعقد الصفقات، أو تُعاد رسم الخرائط، تُترك هذه المشاريع لمصيرها: إما أن تنهار، أو تُدمج قسراً، أو تتحول إلى عبء على أصحابها قبل أن تكون عبئاً على الدولة. هذا ما أدركته القيادات الكردية في لحظة مفصلية، فاختارت أن تسبق الانهيار بقرار واعٍ، وأن تحوّل “القوة العسكرية” إلى “قوة تفاوضية” داخل الدولة، بدلاً من انتظار لحظة يُفرض فيها الحل من دون ضمانات.

في السويداء، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، لكنها ليست مختلفة في الجوهر. فالسلاح المحلي الذي رُفع تحت عناوين الحماية والدفاع عن المجتمع، تحوّل في كثير من الأحيان إلى أداة لتصفية الحسابات الداخلية، وإلى مصدر فوضى أمنية، وإلى مدخل لتغلغل شبكات التهريب والجريمة المنظمة. والنفوذ الذي راكمته بعض الزعامات، سواء الدينية أو الاجتماعية أو العسكرية، لم يتحوّل إلى مشروع سياسي واضح المعالم، بل بقي في كثير من الأحيان أسير الشعارات العامة، أو رهينة علاقات ملتبسة مع الخارج، أو محكوماً بحسابات ضيقة لا ترى أبعد من حدود النفوذ الشخصي أو الفئوي.

هنا يبرز جوهر السؤال النقدي: هل تستطيع السويداء أن تحوّل هذه “القوة المبعثرة” إلى مشروع حقوقي وسياسي داخل الدولة، كما فعل الكرد؟ هل يمكن أن تنتقل من منطق “الاستقواء بالخارج” إلى منطق “التفاوض مع الداخل”، ومن منطق “الكيان الخاص” إلى منطق “الموقع الخاص داخل الكيان العام”؟ أم أنها ستبقى أسيرة سرديات تاريخية عن الظلم والتهميش، من دون أن تترجم هذه السرديات إلى برنامج واقعي يضمن لأبنائها حقوقهم في المواطنة والتنمية والتمثيل السياسي؟

الواقعية هنا ليست دعوة للاستسلام، ولا لتبرئة الدولة من مسؤولياتها التاريخية، بل هي دعوة لإعادة تعريف الصراع. فالصراع من أجل الحقوق يمكن أن يُخاض من داخل مؤسسات الدولة، عبر الضغط السياسي والقانوني والإعلامي، وعبر بناء تحالفات وطنية عابرة للمناطق والطوائف، وعبر تحويل “الخصوصية” من ذريعة للانفصال إلى رافعة للمشاركة.
أما الصراع من خارج الدولة، عبر السلاح أو الارتهان للخارج، فهو في النهاية صراع خاسر، لأنه يضع المجتمع في مواجهة مفتوحة مع محيطه الوطني، ويحوّله إلى ورقة في لعبة إقليمية لا يملك مفاتيحها.

الدرس الكردي يقدّم نموذجاً عن كيفية تحويل “اللحظة الإقليمية والدولية” إلى فرصة، لا إلى فخ. الكرد استخدموا هذه اللحظة لانتزاع اعتراف سياسي وثقافي بلغتهم وهويتهم، ولتثبيت حضورهم في مؤسسات الدولة، ولإعادة صياغة علاقتهم بالمركز على قاعدة جديدة. السويداء، إذا أرادت أن تستفيد من هذا الدرس، عليها أن تدرك أن اللحظة نفسها لا تدوم، وأن نافذة الفرص تُغلق حين يتحوّل السلاح إلى عبء، وحين يتحوّل الخارج إلى متفرّج، وحين تُترك المجتمعات لمصيرها في مواجهة الفوضى والانهيار الاقتصادي والاجتماعي.

في المقابل، ثمة مؤشرات مقلقة على أن جزءاً من النخب في السويداء لم يعِ بعد هذا الدرس. ما زالت بعض الخطابات تراهن على “الحماية الدولية” كحل سحري، وعلى “الضغط الخارجي” كطريق لفرض التغيير، وعلى “الخصوصية” كذريعة لعدم الانخراط في أي مشروع وطني جامع. هذه الرهانات تتجاهل أن الخارج نفسه يعيد ترتيب أولوياته، وأن ملفات المنطقة تُدار بمنطق الصفقات الكبرى، لا بمنطق حماية الأقليات أو دعم الكيانات المحلية. كما تتجاهل أن استمرار التشرذم الداخلي يضعف أي قدرة تفاوضية محتملة، ويحوّل السويداء من طرف فاعل إلى ساحة صراع بين قوى أكبر منها.

الطريق الوطني الذي سلكته قسد، بكل ما فيه من تعقيدات ونواقص، يفتح الباب أمام تصور مختلف لمستقبل السويداء: تصور يقوم على الاعتراف بالخصوصية، لكن داخل إطار الدولة؛ وعلى المطالبة بضمانات دستورية وقانونية لحقوق أبنائها، لكن عبر أدوات السياسة لا عبر فوهات البنادق؛ وعلى بناء شراكات مع بقية المكوّنات السورية التي تبحث بدورها عن مخارج من دوامة الحرب والانقسام. هذا الطريق لا يلغي حق النقد ولا يجمّل صورة الدولة، لكنه يضع هذا النقد في سياق مشروع إصلاحي وطني، لا في سياق مشاريع انفصالية أو كيانات موازية محكومة بالفشل.

في النهاية، السؤال ليس إن كانت السويداء ستقلّد قسد حرفياً، فلكل منطقة سياقها وتاريخها وخصوصيتها، بل إن كانت ستلتقط الجوهر: أن المشاريع المرتبطة بالخارج قصيرة العمر، وأن السلاح المحلي بلا أفق سياسي يتحوّل إلى عبء، وأن تحويل الألم والمأساة إلى مكاسب يحتاج إلى شجاعة في التخلي عن أدوات القوة القديمة، مقابل تثبيت الحقوق في مؤسسات الدولة والقانون. إن لم تُدرك النخب في السويداء هذا الدرس، فإنها لا تخطئ فقط في قراءة التاريخ والحاضر، بل تفرّط أيضاً بفرصة نادرة لصياغة مستقبل مختلف، يكون فيه الانتماء الوطني إطاراً للحماية، لا خصماً لها، وتكون فيه الواقعية السياسية جسراً نحو الحقوق، لا نحو الاستسلام.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top