في الحادي والعشرين من آب/أغسطس 2013، استيقظ العالم على واحدة من أبشع الفظائع في التاريخ الحديث؛ هجوم كيميائي منسق بغاز السارين السام استهدف بلدات الغوطة الشرقية ومعضمية الشام في ريف دمشق. أسفر الهجوم عن مقتل أكثر من 1400 مدني خنقاً، غالبيتهم العظمى من الأطفال والنساء أثناء نومهم. ورغم مرور السنوات، لا تزال هذه الجريمة جرحاً نازفاً في ضمير الإنسانية، واختباراً معقداً لمنظومة العدالة الدولية. أن التكييف القانوني الدولي لهذه المجزرة،
ويستعرض الآليات القانونية المتاحة لإحضار الجناة ومحاكمتهم.
التكييف القانوني الدولي للمجزرة
لا يترك القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي الجنائي مجالاً للبس في تصنيف ما حدث في الغوطة الشرقية. يمكن تكييف الجريمة قانونياً تحت ثلاثة تصنيفات رئيسية:
1. جرائم ضد الإنسانية
وفقاً للمادة 7 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، تُعرف الجريمة ضد الإنسانية بأنها أي فعل من الأفعال المحظورة (كالقتل العمد والإبادة) إذا ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو ممنهج موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، وعن علم بالهجوم. إن استخدام الصواريخ المحملة بغاز السارين السام على مناطق سكنية مكتظة بالمدنيين يعكس تخطيطاً مسبقاً وسلوكاً ممنهجاً يهدف إلى القتل الجماعي، مما يضع المجزرة في خانة الجرائم ضد الإنسانية التي لا تسقط بالتقادم.
2. جرائم حرب
يُصنف استخدام الأسلحة الكيميائية كجريمة حرب بموجب القانون الدولي العرفي، والبروتوكولات الدولية الملحقة باتفاقيات جنيف لعام 1949. تنص المادة 8 من نظام روما الأساسي على أن استخدام الغازات الخانقة أو السامة أو ما شابهها من السوائل أو المواد أو الأجهزة يشكل جريمة حرب في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية على حد سواء. الهجوم انتهك مبدأ “التمييز” بين المدنيين والمقاتلين، ومبدأ “التناسب” في استخدام القوة العسكرية.
3. خرق الاتفاقيات الدولية والمعاهدات
يمثل الهجوم انتهاكاً صارخاً لـ “بروتوكول جنيف لعام 1925” الخاص بحظر استخدام الغازات السامة في الحروب. ورغم أن النظام البائد لم يكن قد انضم إلى “اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لعام 1993” وقت وقوع الهجوم (انضم إليها لاحقاً في أواخر عام 2013 تحت الضغط الدولي)، فإن حظر استخدام هذه الأسلحة يُعد جزءاً من القواعد الآمرة في القانون الدولي العرفي الملزمة لجميع الدول دون استثناء.
لكن السؤال يبقى
كيف يتم إحضار الجناة من الخارج ومحاكمتهم؟ ابتكر الحقوقيون والمنظمات الدولية مسارات بديلة لإحضار الجناة وملاحقتهم خارج حدود سوريا، وتتمثل في الآليات التالية:
1. مبدأ الولاية القضائية العالمية
برزت “الولاية القضائية العالمية” كأقوى أداة قانونية لكسر حاجز الإفلات من العقاب. يتيح هذا المبدأ للمحاكم الوطنية في بعض الدول (مثل ألمانيا، فرنسا، السويد، وهولندا) مقاضاة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم دولية خطيرة (مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية)، بغض النظر عن مكان ارتكاب الجريمة أو جنسية الضحايا أو المتهمين.
وقد أثمر هذا المسار بالفعل؛ ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2023، أصدر القضاء الفرنسي مذكرات توقيف دولية بتهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب بحق رئيس النظام البائد بشار الأسد، وشقيقه ماهر الأسد، واثنين من كبار معاونيه العسكريين، لصلتهم بالهجمات الكيميائية في الغوطة عام 2013.
2. مذكرات التوقيف الدولية عبر “الإنتربول”
عندما يصدر قاضي تحقيق في دولة أوروبية (تطبق الولاية العالمية) مذكرة توقيف دولية، يتم تعميمها عبر المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول) تحت ما يسمى “النشرة الحمراء”. تصبح الدول الأعضاء في الإنتربول ملزمة قانونياً أو أدبياً بتوقيف الشخص المطلوب بمجرد دخوله أراضيها أو مجاله الجوي، ومن ثم تسليمه إلى الدولة التي أصدرت المذكرة ليمثل أمام قضائها.
3. الآلية الدولية المحايدة والمستقلة
أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذه الآلية في عام 2016 ومقرها جنيف. تتمثل مهمتها في جمع الأدلة وحفظها وتحليلها المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة في سوريا. ورغم أن الآلية لا تملك سلطة اعتقال أو محاكمة، إلا أنها تبني ملفات قضائية جنائية متكاملة ومطابقة للمعايير الدولية، وتشاركها مع المحاكم الوطنية (في فرنسا وألمانيا وغيرها) لتسهيل إصدار مذكرات التوقيف وإدانة الجناة عند اعتقالهم.
4. لجان التحقيق ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية
ساهمت تقارير “بعثة الأمم المتحدة للتحقيق في استخدام الأسلحة الكيميائية” و”فريق التحقيق وتحديد الهوية” التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في إثبات المسؤولية الجنائية بالدليل العلمي القاطع.
حددت هذه التقارير بدقة أنواع الغاز المستخدم، ونوعية الصواريخ الناقلة، ومسارات انطلاقها من القواعد العسكرية، مما يدحض الروايات المضادة ويوفر للقضاء الدولي المادة القانونية الصلبة لإدانة المتورطين وإصدار مذكرات جلب بحقهم.
إن ملاحقة الجناة المتورطين في مجزرة الكيماوي بالغوطة الشرقية لم تعد مجرد مطلب حقوقي، بل أصبحت اختباراً لمدى فاعلية القانون الدولي في حماية البشرية من أسلحة الدمار الشامل. ورغم التعقيدات السياسية وحصانات رؤساء الدول التي تحول دون الاعتقال الفوري، فإن مذكرات التوقيف الدولية وحصار الجناة قانونياً يضيقان الخناق عليهم، ويؤكدان أن العدالة، وإن تأخرت، فإن مساراتها بدأت تترسخ محلياً ودولياً لضمان محاسبة المسؤولين عن هذه الفظائع.






