دمشق تحت الاختبار: من يستفيد من زعزعة عاصمة تحاول النهوض؟
في غضون أسبوع واحد، اهتزت العاصمة السورية بأكثر من حادثة أمنية خطيرة، توزعت بين قلب المدينة وأطرافها، وطالت مواقع رمزية بقدر ما طالت مدنيين أبرياء كانوا يمارسون حياتهم اليومية في مقهى شعبي أو عند حاجز أمني. هذه التفجيرات، على تباين حجمها وطبيعتها، تطرح سؤالاً واحداً يستحق تفكيكاً هادئاً بعيداً عن الخبطة الإعلامية أو الاستقطاب السياسي: من المستفيد من زعزعة الاستقرار في دمشق تحديداً في هذه المرحلة الدقيقة من عمر سوريا الجديدة؟
سلسلة من الحوادث
الحادثة الأولى وقعت في مقهى قريب من القصر العدلي وسط العاصمة، حين انفجرت عبوة ناسفة بدائية الصنع، محملة بشظايا معدنية، أودت بحياة عشرة أشخاص وأصابت أكثر من عشرين آخرين، في واحد من أعنف الهجمات التي شهدتها دمشق منذ سقوط النظام السابق. توقيت الانفجار لم يكن عشوائياً، إذ تزامن مع انعقاد مجلس الشعب الجديد ومسار محاكمات رموز المرحلة السابقة، وهو ما فتح الباب أمام قراءات متعددة حول الجهة المسؤولة ودوافعها.
لم تمر أربع وعشرون ساعة حتى سجلت ضواحي دمشق حادثة أخرى، حين استهدف مسلح على دراجة نارية حاجزاً أمنياً في جرمانا بقنابل يدوية، ما أسفر عن إصابة عناصر أمنية ومقتل المنفذ نفسه أثناء محاولته. وبعدها بأيام، ومع وصول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق في زيارة رسمية تحمل دلالات كبيرة على مسار الانفتاح الدولي، وقع انفجاران مزدوجان قرب فندق أقام فيه الوفد الفرنسي، طالا الطوق الأمني المخصص لحماية الضيف الرسمي، وأسفرا عن إصابة عدد من عناصر الشرطة والمدنيين.
هذا التسلسل الزمني الدقيق – محكمة، ثم حاجز أمني، ثم موقع زيارة رئاسية أجنبية – لا يمكن قراءته كصدفة. فالأهداف المختارة تحمل رمزية واضحة: العدالة الانتقالية، سلطة الدولة الأمنية، والانفتاح الدبلوماسي. من يقف خلف هذه العمليات يبدو أنه يفهم جيداً أين تقع نقاط الحساسية في المرحلة الانتقالية، ويسعى إلى ضرب كل واحدة منها على حدة.
من المشتبه به؟ ولماذا لا يوجد جواب حاسم بعد
حتى الآن، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن هذه الهجمات، وهذا الغموض نفسه جزء من المشكلة. الأصوات التحليلية انقسمت بين من يرجح تورط خلايا تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، الذي لطالما استغل فترات الفراغ الأمني لتنفيذ عمليات منخفضة الكلفة وعالية الأثر الإعلامي، ومن يشير بإصبع الاتهام إلى فلول النظام السابق الساعية لعرقلة مسار العدالة الانتقالية وتشويه صورة الإدارة الجديدة أمام الداخل والخارج على حد سواء.
هناك أيضاً قراءة ثالثة، أكثر تعقيداً، تربط هذه الحوادث بديناميكيات إقليمية أوسع، حيث يمكن لأطراف خارجية غير راضية عن تسارع اندماج دمشق في المنظومة الدولية أن تجد في زعزعة الاستقرار الأمني وسيلة ضغط غير مباشرة، خصوصاً أن توقيت بعض الهجمات تزامن مع زيارات دبلوماسية بارزة ومحطات سياسية مفصلية.
الأمانة تقتضي القول إن الجزم بهوية الفاعل قبل اكتمال التحقيقات ولو تخميناً ،لن يؤدي إلا إلى تضليل الرأي العام، وفتح الباب أمام الشائعات والاستغلال السياسي والإعلامي، بينما تبقى الحقيقة رهينة الأدلة والنتائج الرسمية. والحكمة تقضي بانتظار ما ستكشفه الأجهزة الأمنية السورية، التي أعلنت أنها تمكنت من الوصول إلى خيوط جدية في بعض الملفات. لكن غياب الجواب النهائي لا يمنع من قراءة النمط العام: هذه ليست محاولة اغتيال سياسي بقدر ما هي محاولة ممنهجة لبث رسالة مفادها أن العاصمة لا تزال قابلة للاختراق، وأن الاستقرار الذي تروج له الحكومة لا يزال هشاً.
الهدف الحقيقي: الرسالة أهم من الضحايا
في عمليات من هذا النوع، غالباً ما يكون عدد الضحايا أقل أهمية من الرسالة السياسية والإعلامية التي تحملها العملية. فالجهة التي تقف خلف هذه التفجيرات لا تسعى بالضرورة إلى إسقاط الدولة عسكرياً – فهي تدرك جيداً أنها لا تملك القدرة على ذلك – بقدر ما تسعى إلى زرع الشك في قدرة الإدارة الجديدة على فرض الأمن، وإرباك مسار الانفتاح الدولي الذي بدأت دمشق تحصد ثماره تدريجياً عبر استعادة العلاقات الدبلوماسية وجذب الزيارات الرسمية رفيعة المستوى.
بمعنى آخر، هذه العمليات تراهن على “حرب الصورة” أكثر من رهانها على “حرب الأرض”. فكل تفجير يتزامن مع حدث سياسي أو دبلوماسي كبير يهدف إلى سرقة العناوين وتحويل النقاش من إنجاز التطبيع الدولي إلى سؤال الأمن والاستقرار. وهذا نمط معروف في تجارب دول أخرى مرت بمراحل انتقالية مشابهة، حيث تتكثف العمليات الأمنية في لحظات الزخم السياسي بالذات، وليس في لحظات الجمود.
بين حق الدولة في الحزم وضرورة الحكمة الأمنية
الحكومة السورية، ممثلة بوزارة الداخلية، أكدت أن التحقيقات مستمرة وأن منفذي هذه الأعمال سيُقدَّمون إلى العدالة. هذا الموقف طبيعي ومتوقع من أي سلطة تواجه تحدياً أمنياً من هذا النوع، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في الكلام بقدر ما يكمن في الأداء الميداني.
هناك عدة مسارات عملية يمكن أن تساعد في تجنب تكرار هذه الحوادث، من دون أن يعني ذلك وصفة سحرية أو ضماناً مطلقاً، فالعمليات الأمنية غير المتماثلة يصعب استئصالها كلياً في أي بلد من العالم:
أولاً، تكثيف الاستخبارات الوقائية بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة اللاحقة. إحباط محاولات سابقة، كتلك التي استهدفت حافلة في حي الورود أو حاجز كشكول – الدويلعة، يظهر أن الأجهزة الأمنية تملك بالفعل قدرة على الرصد المسبق، والمطلوب هو تعميم هذا النموذج وتحويله من استثناء إلى قاعدة عمل يومية.
ثانياً، معالجة الفراغات الأمنية الجغرافية. كثير من هذه العمليات تنطلق من مناطق أطراف العاصمة أو الأحياء التي شهدت تحولات سكانية وأمنية سريعة بعد التغيير السياسي، ما يستدعي إعادة تقييم الانتشار الأمني في هذه المناطق تحديداً، بدل التركيز فقط على المواقع الرمزية وسط المدينة.
ثالثاً، دمج ملف “فلول النظام السابق” ضمن رؤية أمنية شاملة لا تكتفي بالملاحقة القضائية. فمسار العدالة الانتقالية، رغم أهميته وضرورته لبناء الشرعية، قد يفتح في الوقت نفسه دافعاً لدى بعض الأطراف المتضررة منه للجوء إلى العنف كوسيلة للانتقام أو للتشويش. التعامل الحكيم مع هذا الملف يقتضي توازناً دقيقاً بين تحقيق العدالة وعدم دفع فئات واسعة نحو خيارات متطرفة.
رابعاً، الشفافية في التحقيقات كأداة لبناء الثقة. كل تأخير أو غموض في الإعلان عن نتائج التحقيقات يترك الساحة مفتوحة أمام التكهنات والشائعات، وهو ما يخدم أهداف منفذي هذه العمليات أكثر مما يخدم الدولة. الإعلان التدريجي عن مستجدات التحقيق، حتى لو كانت جزئية، يساهم في طمأنة الرأي العام ويقطع الطريق أمام الروايات المضللة.
الاستقرار كسباق بين الدولة وخصومها
ما يستحق الإشارة إليه أيضاً أن استمرار الزيارات الدبلوماسية رفيعة المستوى إلى دمشق رغم هذه الحوادث الأمنية يحمل دلالة مهمة: فالشركاء الدوليون الذين يراهنون على المرحلة الانتقالية يدركون أن التحديات الأمنية جزء طبيعي من أي عملية تحول سياسي بهذا الحجم، وأن الحكم على تجربة سوريا الجديدة لا ينبغي أن يُختزل في حادثة أمنية بمعزل عن السياق العام لمسار إعادة الإعمار والاندماج الدولي.
في المقابل، فإن استمرار هذه العمليات دون معالجة جذرية يحمل خطراً مضاعفاً: فهو يهدد الأمن اليومي للمواطنين، ويهدد أيضاً الزخم الدبلوماسي والاقتصادي الذي بدأت دمشق تبنيه بصعوبة بعد عقد ونصف من العزلة والحرب. لذلك فإن معالجة هذا الملف ليست مجرد مسألة أمنية تقنية، بل هي شرط أساسي لنجاح المشروع السياسي والاقتصادي الأوسع الذي تراهن عليه الإدارة الجديدة.
خلاصة
التفجيرات التي شهدتها دمشق هذا الأسبوع، على اختلاف حجمها وأهدافها، ليست حوادث معزولة بقدر ما هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة السورية الجديدة على حماية عاصمتها في لحظة مفصلية من تاريخها. الحكم النهائي على هوية الفاعلين لا يزال رهن التحقيقات، لكن النمط العام للعمليات يشي بجهات تراهن على تقويض الثقة أكثر مما تراهن على تغيير موازين القوى ميدانياً. وهنا تحديداً تكمن المسؤولية الأكبر الملقاة على عاتق الأجهزة الأمنية: أن تحوّل كل حادثة إلى درس يُبنى عليه، وليس إلى عنوان يُنسى مع الحادثة التالية.






