قبل سنوات، كانت تقف بزيها العسكري داخل صفوف الجيش السوري، تواجه أوامر لم تستطع أن تتصالح مع ضميرها. واليوم، ترتدي الرتبة نفسها ولكن في مؤسسة أمنية جديدة، تحمل على كتفيها نجوم عقيد، بعدما تحولت من ضابطة منشقة إلى واحدة من أبرز الوجوه النسائية في وزارة الداخلية السورية. إنها يسرى ذياب القطاعنة، المعروفة بين رفاقها بلقب “العنود”.
ولدت القطاعنة في قرية الشرائع بمنطقة اللجاة في ريف درعا، وهي المنطقة التي تحولت مع اندلاع الثورة السورية إلى واحدة من أبرز ساحات المواجهة. التحقت بالسلك العسكري قبل عام 2011، ووصلت إلى رتبة ملازم أول، إلا أن مشاهد الاحتجاجات في درعا وما رافقها من استخدام القوة ضد المدنيين، ولا سيما الأطفال، دفعتها إلى اتخاذ القرار الذي غيّر مسار حياتها بالكامل.
في عام 2012، أعلنت انشقاقها عن الجيش النظامي، بعدما رفضت تنفيذ أوامر بمهاجمة المتظاهرين. لم يكن القرار سهلاً، إذ أصبحت تحت المراقبة الأمنية قبل أن تتمكن من مغادرة مواقعها العسكرية والالتحاق بفصائل المعارضة في الجنوب السوري.
ومنذ ذلك الحين، حملت “العنود” السلاح على جبهات القتال في اللجاة وريف درعا، وشاركت في معارك عدة إلى جانب تشكيلات المعارضة، أبرزها ألوية العمري التي أسسها شقيقها النقيب الراحل قيس القطاعنة، المعروف باسم “أبو إسلام”. قاد شقيقها معارك مفصلية في تل الجموع والجابية والتلول الحمراء، قبل أن يُقتل عام 2014، بينما دفع شقيق آخر ثمناً مختلفاً، إذ أُعدم داخل سجون النظام بعد اعتقاله عام 2011، لتصبح خسائر العائلة جزءاً من الثمن الذي دفعته في سنوات الثورة.
لكن مسيرة القطاعنة لم تتوقف عند ميادين القتال. ففي عام 2018 غادرت إلى الأردن، حيث استثمرت سنوات إقامتها في استكمال تعليمها الجامعي، وحصلت على شهادة في العلوم السياسية، في خطوة عكست انتقالها من العمل العسكري الميداني إلى بناء رؤية أوسع حول الدولة ومؤسساتها.
ومع سقوط النظام السابق، عادت إلى سوريا لتبدأ فصلاً جديداً من حياتها، هذه المرة داخل مؤسسات الدولة. انضمت إلى وزارة الداخلية، وتولت رئاسة قسم التدريب والتأهيل في معهد الشرطة النسائية، حيث تشرف على إعداد وتأهيل العناصر النسائية، وتطوير البرامج التدريبية، بما في ذلك برامج الشرطة السياحية، مع خطط لتوسيع التدريب ليشمل ضباطاً وعناصر إضافيين في المستقبل.
وجاءت ترقيتها مؤخراً إلى رتبة عقيد لتشكل محطة جديدة في مسيرتها. وفي أول تصريح لها بعد الترقية، وصفتها بأنها “وسام شرف وتقدير لمسار طويل من الصبر والعمل”، مؤكدة أن النساء السوريات اللواتي قدمن الشهداء والجرحى والمعتقلات والمهجرات خلال سنوات الثورة، يمتلكن اليوم حقاً أصيلاً في المشاركة الكاملة في مؤسسات الدولة وصناعة مستقبلها.
ولا تنظر وزارة الداخلية إلى تجربة القطاعنة باعتبارها حالة فردية، إذ يؤكد وزير الداخلية أنس خطاب أن تمكين المرأة داخل المؤسسات الأمنية يمثل أحد محاور تطوير المؤسسة، مشيراً إلى أن معهد الشرطة النسائية يعمل على توفير بيئة تدريبية متكاملة تعزز كفاءة النساء السوريات، وتوسع حضورهن في مختلف الاختصاصات الأمنية.
اليوم، تمثل يسرى ذياب القطاعنة نموذجاً لامرأة سورية عبرت محطات متناقضة؛ من ضابطة في الجيش، إلى منشقة حملت السلاح، ثم طالبة علوم سياسية، وصولاً إلى عقيد في وزارة الداخلية تشرف على إعداد جيل جديد من الشرطيات. وبين هذه المحطات، تختصر سيرتها جانباً من التحولات التي عاشتها سوريا خلال أكثر من عقد، وتقدم صورة لامرأة لم تكتفِ بأن تكون شاهدة على الأحداث، بل كانت إحدى المشاركات في صناعتها، قبل أن تعود لتساهم في بناء مؤسسات الدولة
- بثينة الخليل






