كاريكاتير مولد عبر الذكاء الاصطناعي خاص مؤسسة جولان

في سوريا، لو أردنا تعريفاً عملياً للبروباغندا السوداء، لكان المثل الشعبي: «يا مسترخص اللحم، عند المرق بتندم». لأن البروباغندا اليوم صارت مثل «بسكويت فاخر»: من الخارج مكتوب عليه محشو بالكريمة، وعندما تفتحه، لا تجد سوى الهواء. والسر البسيط؟ هو المؤثرون. نعم، أولئك الذين أقنعوا الحكومة أن «السخافة الترندية» أهم من الدستور، وأن «اللايك» أصدق من الاستطلاع وقياس الرأي.

المهم «تفاعل وقدم علاك مصدي ببث تيك توكي»، وبعدها وزارة الإعلام ستعاملك باحترام أكثر مما تعامل إعلامياً قضى ثلاثين سنة وهو يحفظ فواصل النشرة المسائية!
فالوزارة اليوم عندها قاعدة ذهبية:
«المؤثر أهم من المؤسس، والمحتوى أهم من المحتوى عليه!» يعني الإعلامي الحقيقي مطلوب منه شهادات، وأرشيف، ومعرفة، بينما المؤثر مطلوب منه فلتر إنستغرام مناسب، وإضاءة دائرية جيدة، وموضوع يشد، مثلاً كلب يتثاءب على تيك توك.

مشهد سريع من مقابلة:
· إعلامي مخضرم: درست، وتعبت، وجلت الجبهات، وحفظت فواصل النشرة أثناء القصف.
· مسؤول إعلامي: حلو.. كم عدد متابعيك؟
· إعلامي: ألفان ومئة.
· المسؤول: الله يخليلك ياهم، ومع السلامة.

ثم يدخل مؤثر:
· مرحباً! أنا بعمل محتوى عن «كيف تسلق بيضة بدون بيضة».
· المسؤول: (واقفاً على كرسيه) واووو! تفضل، تفضل، اجلس هون.. وهاي بطاقة اعتماد إعلامي، وهاي بطاقة اعتماد VIP، وإذا بدك نغطي الك بث مباشر لسلق البيضة الوهمية ما عنا مانع!، وهات سيرتك الذاتية عشان نعينك مستشاراً!

جنون العظمة السوشيالي:
طبعاً، ليس المؤثر هو المشكلة كلها، المشكلة في «حماسنا» نحن. صار المواطن السوري بمجرد سماعه خبراً، يتحول إلى: محقق جنائي، ومحلل استراتيجي، وعرّاف.
· تطلع صورة لسيارة محروقة، تتحول خلال ساعتين إلى «رسالة سياسية».
· انقطع النت دقيقتين؟ بيصير عنده «معلومة مؤكدة» عن مؤامرة دولية على الكابل البحري!
· مطبخ جارته احترق؟ «إنذار مبكر بارتفاع أسعار الزيت»!

نعم، تحول الناس إلى «خط إنتاج مجاني» للشائعات. يعصرون أنفسهم صباحاً ليخرجوا بتحليل، ومساءً بسيناريو، ثم يتساءلون: «ليش البلد هيك؟».

المؤثرة التي فتحت مضيق هرمز:
والقمة في الطرافة حين تتصفح، فتجد صانعة محتوى تشرح «كيف تكبر المؤخرة بتمارين البوش أب»، وبعد دقيقتين، تجدها في الفيديو التالي تحل لك «الخيارات العسكرية لفتح مضيق هرمز». وكأنها كانت تجرب الريست ربما على السفن الإيرانية!

الكارثة الحقيقية ليست المؤثرين:
لا تلُم المؤثر. هو تاجر، والتاجر يبيع للمطبّل والمعارض، وللراقص والمُسبّح. مبدؤه الوحيد: «من يرفع المشاهدات». فالكارثة الحقيقية فيمن قرر أن يستبدل الصحفي بالمؤثر.

فالمجتمع الآن يقول:
«أنت درست وتعبت؟ اجلس على الرف.
أنت تتلوّن وتتنازل أسرع؟ تفضل إلى الواجهة.»

أصبح الإعلام مهنة من لا مهنة له، وأصبح الرأي العام يُصنع من غرفة نوم، بإضاءة دائرية، وكوب قهوة، وكلمتين:
«مساء الخير يا جماعة.. تعالوا أحكيلكم عن سوريا».

بصوت منخفض وحاد:
العبرة ليست في صعود وهبوط المؤثرين، فهذا سوق، والسوق بلا أخلاق.
العبرة في شعب قرر أن «يسترخص» المحترفين، ويستبدل العقول بالتافهين.

العبرة أننا نعيش زمناً يمكن فيه لشخص أن:
· يمدح الحكومة صباحاً، ويشتمها مساءً.
· يعلن عن شامبو ضد القشرة، ثم يقترح حلولاً وطنية.
· يخوّن ويصالح ويحلل.. في نفس الحساب، ونفس الصوت، ونفس الحماس.

ثم نسأل بعدها: لماذا ضاعت الحقيقة؟ لماذا لا يثق أحد بأحد؟
لأننا في لحظة ما، قررنا أن الذي يملك متابعين هو من يملك عقلاً، والذي يملك كاميرا هو من يملك فهماً، والذي يملك صوتاً عالياً هو من يملك حقاً.

ومن يومها، لم يعد أحد يبحث عن الحقيقة. كلّنا نبحث عن كاميرا.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top