سوريون يجتمعون بالساحات رفضاً للتقسيم

خرج السوريون، بكل أطيافهم – مؤيدون، معارضون، ورماديون – من تجربة لم تكن مجرد ثورةٍ شعبية، بل زلزالاً وجودياً أعاد تشكيل المجتمع من جذوره. حربٌ لم تكتفِ بإسقاط البيوت، بل تسللت إلى النفوس، فمزّقت الروابط، وأعادت تعريف الإنسان في ذاته وعلاقته بالآخر. قُتل شبابٌ كانوا عماد المستقبل، وامتلأت الجغرافيا السورية بالمقابر، بعضها معلوم، وأكثرها غارق في صمتٍ ثقيل. لم تعد المأساة فردية، بل أصبحت قاعدة عامة: قلّ أن تجد عائلة لم تفقد أحدًا، بل إن عائلاتٍ بأكملها اندثرت من السجل الحيّ.

وفي الضفة الأخرى، لم يكن المجتمع القريب من بنية النظام المخلوع بمنأى عن التآكل؛ فقد تسللت إليه هشاشة قاسية: فقر، وانهيارات اقتصادية، وسرقات، وتحولات أخلاقية فرضتها قسوة البقاء. امتهنت فئاتٌ ما لم تكن تتخيله يوماً، ووجد تجار واقتصاديون أنفسهم أمام خسارات فادحة، لا بسبب السوق وحده، بل بفعل منظومةٍ امتصّت ما تبقى من مواردهم، مقابل امتيازاتٍ واهية، أو مجرد ضمان البقاء على قيد الحياة.

هذه الوقائع مجتمعة لم تُنتج سوى مجتمعٍ هشّ، سواء داخل سوريا أو في مخيمات اللجوء، من مخيم الزعتري، ومخيمات لبنان، وحتّى أوروبا، مجتمع يعكس عمق التصدع النفسي، حيث يولد جيلٌ كامل تحت ضغط الصدمة، فاقداً الإحساس بالأمان، ومثقلاً بإرثٍ لم يختره.

في هذا السياق، يكتسب كتاب “ماذا حدث لك”؟ وهو كتابٌ يركز على فهم الصدمات النفسية وتأثيرها على سلوك الإنسان للكاتبين “أوبرا وينفري” و”بروس بيري” حيث يطرح سؤالاً مختلفاً بدلاً من “ما خطبك؟” ليصبح “ماذا حدث لك؟”، في محاولة لفهم جذور المعاناة الإنسانية.

هذا التحول في السؤال ليس ترفاً فكرياً، بل مفتاحاً لفهم الحالة السورية اليوم. فحين ننظر إلى ما يجري على وسائل التواصل الاجتماعي – من طعنٍ متبادل، وتشويهٍ للسمعة، وانفجارات غضب، وفوضى في التعبير – قد يبدو المشهد وكأنه انحدار أخلاقي محض. لكن، إذا أعدنا طرح السؤال: ماذا حدث لهؤلاء؟ سنجد الإجابة في سنواتٍ طويلة من الخوف، والفقد، وانعدام الأمان.

يؤكد الكتاب أن “الصدمات تترك أثراً مباشراً على الدماغ والجهاز العصبي”، وأنها قد تظهر لاحقاً في شكل قلق أو غضب أو صعوبة في بناء العلاقات. أليس هذا ما نراه اليوم؟ تنافسٌ شرس على فرص العمل كأننا في غابة، لا مجتمع؛ انعدام ثقةٍ يكاد يكون القاعدة؛ واستعداد دائم للهجوم بدل الحوار.

لقد كان السوريون يتفاخرون، بحق أو بمبالغة، بصورة مجتمعٍ متماسك، قائم على القيم والفضيلة. لكن الحرب لم تدمّر هذا التصور فحسب، بل كشفت هشاشته حين وُضع تحت أقسى اختبار. والسؤال المؤلم اليوم: أين تلك الفضيلة؟ وأين ذلك التماسك الذي كنا نراه جزءاً من هويتنا؟

الجواب، كما يلمّح الكتاب، ليس في إدانة الذات أو جلدها، بل في الفهم. فـ”وراء كل سلوك قصة وتجربة”، والشفاء لا يأتي عبر الإنكار أو التبرير، بل عبر إعادة بناء الإنسان من الداخل – من خلال الأمان، والعلاقات الصحية، واستعادة الثقة.

ما حدث للسوريين لم يكن حدثاً عابراً في التاريخ، بل تجربة نفسية جمعية ستستمر آثارها لعقود. وإذا لم يُطرح السؤال الصحيح – ماذا حدث لنا؟ – فإن كل محاولة لإعادة بناء المجتمع ستبقى سطحية، تعالج النتائج وتترك الجذور تنمو في الظل.

في النهاية، ليست المأساة فقط فيما فقده السوريون، بل في ما أصبحوا عليه دون أن يدركوا كيف حدث ذلك. وربما، في هذا الإدراك تحديداً، تبدأ أولى خطوات الخروج من هذا الركام.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top