التراث البدوي السوري.. ثقافة تتجاوز الترحال وتبحث عن مكانها في الذاكرة الوطنية

يحمل اعتماد 22 أيلول من كل عام يوماً دولياً للتراث البدوي، أهمية خاصة بالنسبة إلى سوريا التي تمتلك موروثاً بدوياً واسعاً ارتبط تاريخياً بالبادية السورية ومناطق الحماد والشامية وغيرها من المناطق التي احتضنت على مدى أجيال أنماطاً من الحياة والمعارف والعادات والتقاليد التي شكّلت جزءاً من الذاكرة الاجتماعية والثقافية للبلاد.

وأقرّ المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» في عام 2025 تخصيص 22 أيلول من كل عام يوماً دولياً للتراث البدوي، في خطوة تهدف إلى تسليط الضوء على ما راكمته المجتمعات البدوية من معارف وممارسات وعادات مرتبطة بالبيئة والمواسم والمياه وسبل العيش، وتعزيز الجهود الرامية إلى صون هذا التراث وتوثيقه ونقله إلى الأجيال المقبلة. وكان 22 أيلول 2026 أول احتفاء بهذه المناسبة على المستوى الدولي.

وتكتسب المناسبة أهمية إضافية في الحالة السورية، في ظل التحولات التي طرأت على حياة أبناء البادية وانتقال كثير منهم من نمط الترحال إلى الاستقرار، وما رافق ذلك من تغيرات اجتماعية وثقافية جعلت الحاجة إلى توثيق الموروث البدوي والحفاظ عليه أكثر إلحاحاً.

ويرى حسين الحاكم، الباحث ومدير مركز دراسات القبائل العربية، أن اعتماد اليوم الدولي للتراث البدوي يمثل «مبادرة رائعة» من الأمم المتحدة، وفرصة لإعادة تسليط الضوء على التراث البدوي السوري وما يحمله من قيم ومعارف وممارسات متوارثة.

ويقول الحاكم إن سوريا تمتلك «تراثاً بدوياً غنياً جداً»، ترسخت في بادية الحماد والشامية ومناطق سورية عديدة قيم البداوة العربية الحقيقية، إلا أن التحول الذي طرأ على نمط معيشة معظم البدو من الترحال إلى الاستقرار تزامن، بحسب رأيه، مع إهمال رسمي طويل لهذا التراث.

ويضيف أن سياسات النظام البائد، وفق توصيفه، أسهمت في إقصاء أبناء البادية وتهميشهم وإبعادهم عن الحياة الثقافية في سوريا، مشيراً إلى أن بعض المناهج التي ارتبطت بحزب البعث قدمت صورة نمطية عن البدو ربطتهم بالتخلف والجهل، وأغفلت في المقابل ما تحمله الثقافة البدوية من قيم وصفات اجتماعية إيجابية.

البداوة.. أكثر من نمط للعيش

ويرى الحاكم أن اختزال البداوة في حياة الترحال ورعي الماشية والبحث عن الماء والكلأ لم يعد كافياً لفهم مفهوم البداوة في الواقع السوري المعاصر.

ويشير إلى وجود ثلاثة مستويات يمكن من خلالها النظر إلى البداوة؛ الأول يتمثل في البداوة باعتبارها نمطاً للمعيشة، وهو ما ارتبط تاريخياً بحياة الترحال، ويُعرف بأهل الوبر، والثاني يتمثل في البدو بالأصل، أي الانتماء الاجتماعي والتاريخي إلى الجماعات البدوية، أما المستوى الثالث فهو البدو بالثقافة، وهو، بحسب الحاكم، التوصيف الأهم في المرحلة الراهنة.

فمع تعلم أبناء البدو وانتقال كثير منهم إلى الإقامة في المدن والأرياف وممارسة مهن مختلفة، لم تنقطع صلتهم بالثقافة التي نشؤوا عليها، بل حافظوا على جانب واسع من عاداتهم وقيمهم الاجتماعية.

ويعدد الحاكم من هذه القيم الشجاعة، وحق الجوار، وإكرام الضيف، وإغاثة الملهوف، ونصرة المظلوم، والأنفة، وشدة البأس، وعزة النفس، إلى جانب مجموعة واسعة من القيم التي يرى أنها تشكل جوهر «ثقافة البدو».

ومن هذا المنظور، لا تعود البداوة مرتبطة حصراً بالخيمة والترحال والرعي، وإنما تصبح ثقافة تحملها الجماعات والأفراد معهم حتى بعد تغير مكان إقامتهم وطريقة عيشهم.

وتشير اليونسكو في تجاربها المتعلقة بالتراث البدوي إلى أن الاستقرار لا يعني بالضرورة اختفاء الثقافة البدوية، إذ ما زالت المجتمعات التي استقرت تحتفظ بمعارف ومهارات وتقاليد شفوية وقواعد اجتماعية تشكل جزءاً من تراثها غير المادي، فيما يمكن أن يؤدي تغير أنماط الحياة إلى تراجع بعض هذه المعارف والمهارات إذا لم تُصن وتُنقل إلى الأجيال الجديدة.

علاقة وثيقة بين القبيلة والبادية

ويربط الحاكم بين مفهوم البادية ومكانة القبيلة والعشيرة في المجتمع السوري، معتبراً أن العلاقة بينهما وثيقة ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر في قراءة التاريخ الاجتماعي والثقافي للبادية.

ويقول إن إعادة الاعتبار إلى القبيلة والعشيرة باعتبارهما جزءاً من مكونات الشعب السوري، تفرض أيضاً إعادة الاعتبار إلى البداوة بوصفها ثقافة وموروثاً، لا مجرد نمط قديم من أنماط الحياة.

ويؤكد أن البداوة السورية، بهذا المعنى، تستحق أن تُقرأ ضمن التنوع الثقافي والاجتماعي في البلاد، وأن تُدرس وتوثق بعيداً عن الصور النمطية التي اختزلتها في حياة الترحال والرعي وحدهما.

الشعر.. ذاكرة البادية وصوتها

ويحتل الشعر مكانة أساسية في حديث الحاكم عن التراث البدوي، لما مثله على مدى أجيال من وسيلة لحفظ الذاكرة والتعبير عن التجارب والقيم والعلاقات الاجتماعية.

وفي هذا السياق، يشيد الحاكم بمبادرة وزير الثقافة محمد ياسين الصالح بمنح الشعر البدوي، أو ما أصبح يعرف على نطاق واسع باسم «الشعر النبطي»، فرصة للمشاركة من خلال عدد من الشعراء في المهرجان الدولي للشعر العربي في دمشق.

ويرى أن إتاحة المجال أمام الشعر البدوي للحضور في فعالية ثقافية بهذا المستوى تمثل فرصة مهمة لإعادة تقديم هذا اللون الشعري بوصفه جزءاً من المشهد الثقافي السوري، معرباً عن أمله في استمرار التجربة وتطورها خلال المرحلة المقبلة.

ويستشهد الحاكم بأبيات للشاعر الأمير بدر بن عبد المحسن آل سعود، لما تحمله من تعبير عن ارتباط الهوية البدوية بقيم الثبات وعزة النفس والكرامة:

أنا بدوي وثوبي على المتن مشقوق
ومثل الجبال السمر صبري ثباتي

ومثل النخيل خلقت أنا وهامتي فوق
ما اعتدت أحني هامتي إلا في صلاتي

ويعكس حضور الشعر في الثقافة البدوية أهمية الرواية الشفوية بوصفها إحدى وسائل نقل المعرفة والذاكرة بين الأجيال، وهي سمة حاضرة في تجارب المجتمعات البدوية التي وثقتها اليونسكو، حيث ارتبط الشعر والحكايات والأغاني بذاكرة الجماعة وتاريخها وبيئتها.

«جمعية الشامية».. مقترح لصون التراث البدوي السوري

ولا يكتفي الحاكم بالدعوة إلى إعادة الاعتبار للتراث البدوي على المستوى الثقافي، بل يطرح مبادرة عملية تتمثل في تأسيس «جمعية الشامية للمحافظة على التراث البدوي السوري».

ويوجه، عبر وسائل الإعلام، دعوة إلى المثقفين والباحثين والمهتمين من أبناء البادية والقبائل السورية للمساهمة في تأسيس الجمعية، لتكون مساحة يمكن من خلالها العمل على جمع وتوثيق عناصر التراث البدوي السوري، من الشعر والرواية الشفوية والأمثال والعادات والتقاليد، إلى الحرف والممارسات والمعارف المرتبطة بالبيئة والحياة البدوية.

ويأمل الحاكم أن تجد هذه المناشدة آذاناً صاغية لدى وزارة الثقافة السورية، وأن تحظى المبادرة بالدعم الذي يتيح تحويل الاهتمام بالتراث البدوي من مناسبة سنوية إلى مشروع ثقافي مستمر.

ويرى أن المرحلة الجديدة تتيح فرصة لإعادة قراءة التراث الوطني السوري بمختلف أشكاله وألوانه، والتصالح مع الموروث الثقافي الذي تعرض خلال العقود الماضية للتهميش أو الإقصاء، وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة باعتباره جزءاً من الذاكرة السورية الجامعة.

فالتراث البدوي، في نظر الحاكم، لا يختصر في صورة الخيمة والقافلة والراعي، وإنما يمتد إلى منظومة واسعة من القيم والمعارف والشعر والعادات والعلاقات الاجتماعية التي بقيت حاضرة لدى أبناء البادية حتى بعد تغير أنماط حياتهم.

ومن هنا، فإن اعتماد يوم دولي للتراث البدوي يمكن أن يشكل مناسبة لإطلاق عمل أكثر انتظاماً في سوريا لتوثيق هذا الموروث وحمايته، وإشراك أبنائه في عملية صونه، بحيث لا يبقى التراث حبيس الذاكرة الشفوية، بل يتحول إلى مادة موثقة ومتاحة للباحثين والأجيال المقبلة، ضمن المشهد الثقافي السوري بكل تنوعه.

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

تصفح أيضا في موقعنا

Scroll to Top