يشكل إعلان السلطات الأمنية عن تفكيك شبكة وخلايا نائمة تابعة لتنظيم «داعش» في الجنوب السوري، وإلقاء القبض على القيادي فراس الداغر، المعروف بـ«أبو حمزة إنخل»، تطوراً أمنياً بارزاً في مسار ملاحقة ما تبقى من بنية التنظيم في المنطقة.
وتتجاوز أهمية العملية توقيف شخصية شغلت موقع نائب مسؤول التنظيم في الجنوب، إلى ما يمكن أن تكشفه من معلومات حول شبكات التمويل، وآليات الاتصال، والبنية اللوجستية التي اعتمدت عليها الخلايا النائمة خلال السنوات الماضية.
وبحسب المعطيات الأولية، طالت العملية أيضاً شبكة مرتبطة بعمليات اغتيال وتمويل، يُعتقد أنها لعبت دوراً في تنفيذ هجمات استهدفت عسكريين ومدنيين، إضافة إلى عمليات سلب وقتل استهدفت صاغة ذهب، في مؤشر على اعتماد التنظيم بصورة متزايدة على الأنشطة الإجرامية كمصدر رئيسي للتمويل بعد فقدانه مناطق سيطرته.
من قائد ميداني إلى مهندس للخلايا السرية
يمثل فراس الداغر نموذجاً للتحول الذي شهدته بنية تنظيم «داعش» في الجنوب بعد عام 2018.
فقد برز بدايةً ضمن صفوف «جيش خالد بن الوليد» في منطقة حوض اليرموك، قبل أن ينتقل، عقب انهيار سيطرة التنظيم، إلى العمل الأمني السري، حيث تولى إعادة تنظيم الخلايا النائمة في منطقة الجيدور، والإشراف على شبكات الدعم اللوجستي وتأمين الملاذات الآمنة، وصولاً إلى موقع الرجل الثاني في قيادة التنظيم جنوب سوريا.
سلسلة ضربات التي أرهقت التنظيم في الجنوب
لا يمكن قراءة اعتقال الداغر بمعزل عن سلسلة الضربات التي تعرض لها التنظيم خلال الأعوام الماضية، والتي استهدفت قياداته وبنيته التنظيمية.
ففي عام 2022، خسر التنظيم اثنين من أبرز قادته في الجنوب؛ أولهما أبو سالم العراقي، الذي قُتل بعد محاصرته في ريف درعا الغربي، وثانيهما عبد الرحمن العراقي، الذي قُتل خلال معارك مدينة جاسم، قبل أن يُكشف لاحقاً عن توليه موقع الخليفة الرابع للتنظيم على المستوى العالمي حسب ما أعلنت عنه القيادة المركزية الأمريكية.
وأدت تلك التطورات إلى تفكك منظومة القيادة، ودفع ما تبقى من كوادر الصف الأول إلى العمل السري والتنقل بين مناطق متفرقة.
وفي مطلع عام 2024، استُكملت عمليات ملاحقة البنية السرية للتنظيم باستهداف شبكة المضافات الآمنة في مدينة نوى، والتي انتهت بمقتل أسامة شحادة العزيزي، المعروف بـ«الشايب» أو «والي حوران»، مع عدد من مرافقيه، في ضربة استهدفت منظومة الإيواء والاتصال التي اعتمد عليها التنظيم.
الدلالات الاستراتيجية
تكتسب عملية اعتقال فراس الداغر أهمية استثنائية، ليس فقط بسبب موقعه القيادي، وإنما لأنه يُعد من آخر الشخصيات التي امتلكت معرفة تفصيلية بشبكات التنظيم السرية في الجنوب، بما يشمل خطوط الاتصال، وآليات التمويل، والملاذات الآمنة، والعلاقات بين الخلايا النائمة.
وفي حال ثبُتت المعلومات المعلنة حول دوره، فإن سقوطه قد يمثل ضربة نوعية لقدرة التنظيم على إعادة تنظيم صفوفه في الجنوب السوري، ولا سيما بعد خسارته معظم قياداته العسكرية والأمنية خلال الأعوام الأخيرة.
ومع ذلك، فإن التجارب السابقة مع تنظيم «داعش» تشير إلى أن تراجع البنية القيادية لا يعني بالضرورة انتهاء التهديد الأمني، إذ غالباً ما تعتمد التنظيمات من هذا النوع على اللامركزية والخلايا الصغيرة للحفاظ على الحد الأدنى من القدرة العملياتية.
وعليه، فإن المشهد الحالي يوحي بأن التنظيم في الجنوب السوري يمر بمرحلة غير مسبوقة من الضعف والتفكك، إلا أن تقييم حجم تأثير هذه الضربة سيظل مرتبطاً بما ستكشفه التحقيقات من معلومات، وما إذا كانت العملية ستقود إلى تفكيك ما تبقى من شبكاته النشطة.
- أحمد تلاوي






