في سوريا، كما في كثير من المجتمعات العربية، لم تكن العلاقة بين الريف والمدينة يوماً خالية من الحساسيات الاجتماعية والثقافية. لكل بيئة نمطها في العيش والتفكير والعلاقات، ووجدت لدى بعض أبناء المدن نظرات استعلاء تجاه أبناء الريف.. ظاهرة لم تكن حكراً على سوريا، ارتبطت تاريخياً بالفوارق الاقتصادية والتعليمية وطبيعة الحياة بين المركز والأطراف.
لكن ما كان يمكن أن يذوب طبيعياً مع الزمن، تحول في سوريا إلى أداة سياسية خطيرة بعد سبعينيات القرن الماضي. أدرك حزب البعث أن اللعب على الانقسامات الاجتماعية والطائفية والمناطقية يمنح السلطة قدرة أكبر على السيطرة وإضعاف المجتمع. فمع توسع مؤسسات الدولة، دخل أبناء الريف بقوة إلى المدن، وتسلّموا نسباً واسعة من الوظائف الإدارية والعسكرية والأمنية. لم تكن المشكلة في وصولهم بحد ذاته، فهذا حق طبيعي، كانت المشكلة في الطريقة التي استثمر بها النظام هذا التحول: جرى تقديمه بوصفه “انتصاراً تاريخياً” لفئة على أخرى، وليس كتطور طبيعي لدولة حديثة تقوم على الكفاءة والمواطنة.
وهنا بدأت الخطورة الحقيقية. فبدلاً من أن يعمل النظام السابق على إنهاء الفوارق القديمة، قام بتغذيتها بحرفية عالية، لأنه كان بحاجة دائمة إلى مجتمع منقسم يخاف بعضه من بعض. تم تكريس فكرة أن الولاء أهم من الكفاءة، وأن الانتماء العائلي أو العشائري أو المناطقي أسرع طريق إلى النفوذ من التعليم والخبرة. وحتى الحياة السياسية الشكلية، انتخابات مجلس الشعب مثلاً، لم تكن بعيدة عن هذا المنطق: ينجح المرشحون لأنهم أبناء عشائر كبيرة أو شخصيات مدعومة من شبكات النفوذ المحلية، وليس بسبب برامجهم.
العنصرية كنموذج عن موت المجتمع
لكن ما نريد التوقف عنده هنا هو الأعمق: العنصرية هي مرض يقتل النسيج الاجتماعي من الداخل. وهي في الحالة السورية تجلٍّ صارخ لـ”موت المجتمع”.. موت القدرة على الاعتراف بالآخر، وموت الثقة الأفقية بين أبنائه، واستبدالها بولاءات رأسية نحو السلطة فقط.
العنصرية الداخلية التي مارسها السوريون بحق بعضهم، ابن مدينة ضد ابن ريف، ومسلم ضد مسلم، وعربي ضد كردي، وسني ضد علوي… إلخ، لم تنشأ من فراغ. صُنعت بعناية، ورُعيت بصبر، واستُثمرت بدهاء. والنظام الساقط الذي أيقن أن مجتمعاً متماسكاً يشكل تهديداً له، عمل على تحويل التنوع الاجتماعي الطبيعي إلى بؤر توتر دائمة.
وليست العنصرية الداخلية وحدها. فالسوريون هم أيضاً من أكثر الشعوب التي مورست عليها أشكال مختلفة من العنصرية الخارجية، من نظرة “الشرق الأوسط الخاضع” في الخطاب الاستعماري القديم، إلى التهميش العربي الرسمي لسنوات، إلى صورة “اللاجئ السوري” المهينة في بعض وسائل الإعلام الغربية. لكن المفارقة المأساوية أن السوري ظلّ، في خضم كل ذلك، منشغلاً بممارسة العنصرية على أخيه السوري.
كيف نحاربها؟ طرق المواجهة
إذا كانت العنصرية مرضاً اجتماعياً، فإن علاجها يتطلب برنامجاً ثقافياً وسياسياً وتعليمياً طويل الأمد، بالتركيز على الآتي:
أولاً: إصلاح جذري للمناهج التعليمية.
لا يمكن لمجتمع يعيش على كتاب مدرسي واحد يكرّس صورة “الآخر” كمصدر خطر أن يتعافى. نحتاج إلى مناهج تعلّم الأطفال أن الاختلاف ليس تهديداً، وأن التنوع الاجتماعي ثروة وليس نقطة ضعف.
ثانياً: نقد مؤسسي للخطاب الإعلامي.
ظل الإعلام الرسمي السوري لعقود يكرّس الصور النمطية: “الفلاح الغبي”، و”البدوي المتخلف”، و”المواطن من الطائفة الفلانية غير الموثوق”. نحتاج إلى إعلام يعيد بناء الصورة الإنسانية، لا إلى إعلام يهدمها.
ثالثاً: سياسات مدنية تقوم على المواطنة لا على الهوية.
المشكلة ليست في أن يكون الوزير من الريف، بل في أن يُختار لأنه من الريف. الدولة المدنية الحقيقية تسأل عن كفاءة الشخص، وهذا يتطلب تفكيك شبكات المحسوبية التي بناها النظام لعقود.
رابعاً: جبر الضرر المجتمعي.
العنصرية تترك جروحاً. نحتاج إلى مبادرات مجتمعية للحوار والاعتراف، حيث يقول ابن المدينة: “كانت لدينا نظرة دونية خاطئة”، ويقول ابن الريف: “تألمت من ذلك”. فلا توجد مصالحة من دون اعتراف.
خامساً: مقاومة العنصرية الخارجية بوعي ذاتي قوي.
لا يمكن لشعب يعاني من عقدة النقص تجاه “الغرب” أو “العالم المتقدم” أن يقف بكرامة. نحتاج إلى مشروع ثقافي سوري يقدّم نفسه بثقة، دون استجداء أو دفاع.
الخلاصة:
لقد نجح النظام الهالك لعقود في جعل السوريين ينشغلون ببعضهم: ابن مدينة ضد ابن ريف، وعشيرة ضد عشيرة، وطائفة ضد طائفة، بينما بقيت السلطة نفسها فوق الجميع. كانت هذه أخطر أشكال العنصرية السياسية في سوريا: خلق الفوارق، واستثمارها، وإبقاؤها حية كي يبقى المجتمع ضعيفاً ومجزأً.
لكن اليوم، والبلد يحاول أن يعيد بناء نفسه من تحت الأنقاض، فإن السؤال الحقيقي ليس: “هل سينتصر الفلاسفة على العسكر أم العكس؟” بل السؤال الأعمق هو: هل يستطيع السوريون أن يقرروا، مرة واحدة، أن العنصرية الداخلية هي العدو الحقيقي؛ ليس فقط لأنها ظالمة، بل لأنها تقتل أي احتمال لقيام مجتمع قادر على الحياة؟






