خطت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أولى خطواتها العملية في ملف واحدة من أكثر المجازر دموية في تاريخ سوريا الحديث، وذلك من خلال زيارة وفد رسمي رفيع المستوى إلى بلدة جديدة الفضل بريف دمشق، حيث التقى ذوي الضحايا والفعاليات الأهلية، وأكد بدء إجراءات التحقيق والتوثيق في المجزرة التي راح ضحيتها آلاف المدنيين بين قتيل ومعتقل.
وجاءت الزيارة بحضور محافظ القنيطرة غسان السيد أحمد، ورئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية العميد عبد الباسط اللطيف، وعدد من المسؤولين وممثلي المجتمع الأهلي، حيث عقد اللقاء في مقر المجلس الأهلي ببلدة جديدة الفضل، التي شهدت في عام 2013 واحدة من أكبر المجازر المرتكبة بحق المدنيين خلال سنوات الصراع.
أول مجزرة على طاولة العدالة الانتقالية
وقالت “فاتن المحمد”، عضو المكتب التنفيذي في محافظة القنيطرة، في تصريح خاص “لمؤسسة جولان الإعلامية”، إن اختيار جديدة الفضل لتكون من أوائل الملفات التي تنظر فيها الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يحمل دلالة مهمة بالنسبة للأهالي الذين انتظروا سنوات طويلة لمعرفة الحقيقة وتحقيق العدالة.
وأضافت أن المجتمع الأهلي في البلدة عمل خلال الفترة الماضية على تنظيم فعاليات لإحياء ذكرى المجزرة وتسليط الضوء عليها، قبل أن يتم التواصل مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والتنسيق لعقد الزيارة الميدانية والاستماع بشكل مباشر إلى مطالب الأهالي وذوي الضحايا.
وأشارت المحمد إلى أن الوفد أبدى تعاوناً كبيراً خلال اللقاءات، حيث استمع إلى شهادات عدد من أهالي الضحايا والناجين، مؤكداً أن التحقيقات ستبدأ فعلياً عبر لجان ميدانية متخصصة ستباشر أعمالها خلال الفترة المقبلة.
“الجريمة لن تسقط بالتقادم”
وخلال اللقاء، حمل وفد الهيئة رسالة واضحة للأهالي مفادها أن “مجزرة جديدة الفضل جريمة لن تسقط بالتقادم”، مؤكداً التزام الدولة بمسار العدالة وكشف الحقائق ومحاسبة المتورطين.
وطلبت الهيئة من الأهالي التعاون الكامل مع فرق العمل من خلال تقديم الشهادات والمعلومات والوثائق المتوفرة لديهم، إلى جانب التفاعل مع لجان التوثيق التي ستبدأ عملها على الأرض خلال الأسبوع المقبل.
وأكدت الهيئة أن لجانها ستجري مقابلات دورية ومنتظمة مع ذوي الضحايا والشهود، بهدف جمع الإفادات وتوثيق الانتهاكات بصورة مهنية، بما يساهم في تحديد المسؤولين عن الجريمة والوصول إلى الحقيقة الكاملة.
شهادات مؤلمة ما زالت حاضرة
وخلال اللقاءات التي جمعت الوفد الرسمي بالأهالي، حضرت القصص الإنسانية المؤلمة بقوة، إذ استعاد الناجون وذوو الضحايا تفاصيل من الأحداث التي ما تزال محفورة في ذاكرتهم رغم مرور السنوات.
وأوضحت المحمد أن العديد من العائلات تحدثت عن فقدان أبنائها وأقاربها خلال المجزرة، فيما روى بعض الأهالي تفاصيل قاسية عن عمليات القتل والانتهاكات التي تعرض لها المدنيون آنذاك.
وقالت إن الأجواء كانت مؤثرة للغاية، خاصة مع حضور أمهات وزوجات وأبناء الضحايا الذين طالبوا بمعرفة مصير المفقودين وإنصاف الضحايا وتحقيق العدالة بعد سنوات طويلة من الانتظار.

مطالب الأهالي: المحاسبة أولاً
وتركزت مطالب الأهالي خلال اللقاء على عدة ملفات أساسية، أبرزها محاسبة المسؤولين عن المجزرة، وكشف مصير المعتقلين والمفقودين، إضافة إلى الاعتراف الرسمي بالضحايا وتوثيقهم ضمن سجلات الدولة.
كما طالب الأهالي ببرامج واضحة لجبر الضرر المعنوي والمادي، وتأمين الدعم لأسر الشهداء والجرحى، وضمان عدم تكرار الانتهاكات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.
وشدد المشاركون على أهمية إشراك ذوي الضحايا والمجتمع الأهلي في جميع مراحل التحقيق والتوثيق، باعتبارهم أصحاب القضية والشهود المباشرين على الأحداث.
جبر الضرر والدعم للضحايا
وأكدت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أنها تعمل بالتنسيق مع مؤسسات الدولة لوضع برامج خاصة لدعم أسر الشهداء والجرحى، وتقديم أشكال متعددة من المساندة والرعاية.
كما أشارت إلى أن خططها تتضمن العمل على تحقيق الجبر المعنوي والمادي للضحايا، من خلال آليات ستُعلن تباعاً ضمن مسار العدالة الانتقالية الذي يجري العمل عليه حالياً.
محافظ القنيطرة: تحسين الواقع الأمني والخدمي
من جانبه، قدّم محافظ القنيطرة غسان السيد شرحاً للأهالي حول الجهود المبذولة لتحسين الواقع الأمني والخدمي في تجمع جديدة الفضل، مؤكداً السعي لإيجاد حلول عملية للمشكلات التي تعاني منها المنطقة.
بداية لمسار طويل
ويرى مراقبون أن زيارة الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية إلى جديدة الفضل تمثل خطوة مهمة في مسار كشف الحقيقة حول واحدة من أكثر المجازر إيلاماً في سوريا، خصوصاً مع بدء أعمال التوثيق والتحقيق الميداني.
وبين آمال الأهالي بتحقيق العدالة وكشف مصير المفقودين، وبين الوعود الرسمية بالمحاسبة وجبر الضرر، تبقى الأنظار متجهة نحو نتائج التحقيقات المرتقبة، وما إذا كانت ستتمكن من تقديم إجابات طال انتظارها لعائلات الضحايا بعد أكثر من عقد على وقوع المجزرة.

- محمد جابر - طارق أبو البراء






