في محافظة القنيطرة لا تبدأ المخاطر المهنية بالنسبة للصحفي عند وقوع الحدث، بل تبدأ منذ لحظة اتخاذ قرار التوجه إلى الميدان، فالمحافظة الواقعة على تماس مباشر ضمن المنطقة العازلة وخط وقف إطلاق النار مع الجولان المحتل تشهد منذ سنة ونيّف، توغلات شبه يومية لقوات الاحتلال الإسرائيلي، بالتزامن مع إنشاء سلسلة من القواعد والنقاط العسكرية المتقدمة داخل المنطقة العازلة ومحيطها، ما حوّل العمل الصحفي إلى مهمة محفوفة بالمخاطر في ظل غياب شبه كامل لمنظومة السلامة المهنية.
ورصدت “مؤسسة جولان الإعلامية” خلال الأشهر الماضية واقع عمل عشرات الصحفيين والناشطين الإعلاميين الذين يغطون التطورات الأمنية والعسكرية في المحافظة، حيث تتقاطع المخاطر الميدانية مع نقص التدريب والتجهيزات الوقائية وضعف الحماية المؤسسية.
جغرافيا الخطر
عقب سقوط النظام السوري البائد، أنشأت قوات الاحتلال الإسرائيلي تسع نقاط وقواعد عسكرية متقدمة في مناطق استراتيجية بمحافظة القنيطرة وريف درعا الغربي.
وتعد “قمة جبل الشيخ” أبرز هذه المواقع، بعد إعلان الجيش الإسرائيلي سيطرته الكاملة عليها، إلى جانب قاعدة قرص النفل في سفح الجبل، وقاعدة “التلال الحمر” التي تضم آليات هندسية وعشرات العناصر العسكريين، إضافة إلى قاعدة “برج الزراعة” المزودة بمهبط للطائرات المروحية، وقاعدة “الحميدية” العسكرية، وقاعدة “القنيطرة المهدمة”، وقاعدتي ” أحمر الغربي والشرقي”قرب بلدة كودنة، وصولاً إلى “قاعدة الجزي” في ريف درعا الغربي.
وتشكل هذه المواقع مراكز انطلاق ومراقبة متقدمة تغطي القرى الواقعة بالقرب من خط وقف إطلاق النار مع الجولان المحتل، ما يجعل أي تغطية إعلامية للأنشطة العسكرية أو التوغلات في محيطها محفوفة بالمخاطر.
صحفيون في مواجهة الخطر
أجرى فريق مؤسسة جولان استبياناً مع عدد من الصحفيين العاملين ضمن مديرية إعلام القنيطرة، وهي المؤسسة الإعلامية الحكومية التي استحدثت بعد سقوط النظام البائد.
المصور الصحفي “أحمد الديك” أوضح أن الصحفيين يعتمدون بشكل أساسي على تقييم الوضع الميداني قبل التحرك والتنسيق المستمر مع المصادر المحلية والزملاء لتجنب الوقوع في مناطق الخطر المباشر.
ويقول “الديك” إن الحاجة ما تزال قائمة لتعزيز برامج التوعية المتعلقة بالسلامة المهنية وإدارة المخاطر، وتنظيم تدريبات متخصصة تساعد العاملين في الإعلام على التعامل مع الظروف الخطرة أثناء التغطيات الميدانية.
أما الصحفي “سند الهنداوي”، وهو مراسل ميداني ضمن كوادر مديرية إعلام القنيطرة، فيؤكد أن الصحفيين في القنيطرة يواجهون مخاطر حقيقية دون توفر تجهيزات أو وسائل حماية تتناسب مع طبيعة العمل الميداني.
ويستذكر حادثة تعرضه لإطلاق نار مباشر، في الأول من تشرين الثاني نوفمبر 2025 أثناء تغطيته توغلاً إسرائيلياً في قرية “صيدا الجولان” جنوبي محافظة القنيطرة، معتبراً أن الحادثة تعكس حجم التهديدات التي تواجه الصحفيين أثناء أداء عملهم.
ويضيف أن دور المؤسسات المعنية بحماية الصحفيين ما يزال محدوداً، خصوصاً في مجال التدريب على السلامة المهنية وإجراءات الوقاية الميدانية.
من جهته، يرى “عهد الكعيد”، العامل في مديرية إعلام القنيطرة، أن المخاطر كبيرة جداً أثناء تغطية مناطق التوغلات، بينما تكاد إجراءات الحماية تكون معدومة، مشيراً إلى أن الخوذ والسترات الواقية غير متوفرة إلا في حالات محدودة، فيما يقتصر دور الجهات المهنية على التوعية العامة.
ويؤكد الصحفي الميداني “حسين المشيعل”، العامل في مديرية إعلام القنيطرة، أن طبيعة العمل الإعلامي في المحافظة تختلف عن كثير من المناطق الأخرى، نظراً لارتباط معظم التغطيات بالقرى المحاذية لخط وقف إطلاق النار والتعامل المباشر مع الوقائع الميدانية المرتبطة بالقوات الإسرائيلية. ويشير إلى أن الصحفيين يجدون أنفسهم في كثير من الأحيان على مقربة من الجنود أو في مناطق تشهد تحركات عسكرية متكررة، ما يجعل معدات الحماية الشخصية ضرورة لا ترفاً.
ويقول “المشيعل” إن ارتداء الخوذة والدرع الواقي يجب أن يكون جزءاً أساسياً من إجراءات العمل الميداني، إلا أن الالتزام بهذه المعايير ما يزال محدوداً بين الصحفيين والناشطين بسبب نقص الإمكانات وغياب الدعم اللازم. وأضاف أنه لم يتلقَّ أي دعم أو تجهيزات أو برامج متخصصة في السلامة المهنية من فرع اتحاد الصحفيين في القنيطرة، الأمر الذي يترك العاملين في الميدان أمام مسؤولية فردية لمواجهة المخاطر المتزايدة أثناء أداء مهامهم الصحفية.
ماذا يقول فرع القنيطرة لاتحاد الصحفيين؟
“محمد فهد”، مراسل تلفزيون سوريا ورئيس فرع اتحاد الصحفيين السوريين في القنيطرة، يؤكد أن الاتحاد وثق عدداً من الانتهاكات التي تعرض لها صحفيون في المحافظة، شملت إطلاق نار واعتداءات ومداهمات وتهديدات.
ويشير إلى أن الاتحاد يعمل على إعداد برامج تدريبية تشمل مهارات التصوير وإعداد التحقيقات والظهور الإعلامي، إضافة إلى السعي لتأمين معدات الحماية الفردية للصحفيين، مثل الخوذ والسترات الواقية، خصوصاً أن كثيراً منهم غير قادرين على تحمل تكلفتها.
ويشدد “فهد” على أن الأولوية يجب أن تبقى لسلامة الصحفي، قائلاً: “المهم أن يصنع الصحفي المادة الإعلامية، لا أن يتحول هو نفسه إلى مادة خبرية”.
صحفيون مستقلون خارج مظلة الحماية
يكشف التحقيق جانباً آخر من الأزمة يتعلق بالصحفيين المستقلين، والعاملين بنظام العمل الحر “Freelance”، الذين يشكلون نسبة كبيرة من العاملين في التغطيات الميدانية بالقنيطرة.
فبحسب ما وثقته “مؤسسة جولان”، تعتمد العديد من المؤسسات الإعلامية الخارجية على شراء المواد الصحفية من المراسلين المستقلين دون توقيع عقود عمل واضحة تضمن حقوقهم المهنية، أو توفر لهم التأمين والتعويضات أو التدريب المتخصص في السلامة المهنية.
وفي معظم الحالات يحصل الصحفي على أجر مقابل المادة الإعلامية فقط، دون أي التزامات تتعلق بحمايته أو دعمه في حال تعرض لإصابة أو اعتقال أثناء العمل.
انتهاكات موثقة
خلال الأشهر الماضية، وثقت “مؤسسة جولان” سلسلة من الانتهاكات التي طالت صحفيين وناشطين إعلاميين في المنطقة.
من أبرز هذه الحوادث تعرض الصحفي محمد فهد لمداهمة منزلية نفذتها دورية إسرائيلية ليلاً، حيث جرى تفتيش معدات التصوير الخاصة به، ما تسبب بحالة من الذعر بين أفراد أسرته وأطفاله.
اطّلع على المقال: بعثة أممية تدين اقتحام منزل صحفي بالقنيطرة وتوثّق الانتهاك
كما تعرض فريق إعلامي ضم مراسلين من الإخبارية السورية ووكالة سانا وعدداً من الصحفيين المستقلين لإطلاق نار مباشر أثناء تغطيتهم حادثة سقوط صواريخ إيرانية اعترضت فوق مناطق من القنيطرة.
وتحققت “مؤسسة جولان” كذلك من تلقي صحفيين وناشطين رسائل وتهديدات من أرقام مجهولة تطالبهم بعدم تصوير الدوريات الإسرائيلية أو توثيق تحركاتها العسكرية.
وفي حوادث أخرى، صادرت قوات إسرائيلية هواتف محمولة تعود لمواطنين ورعاة ماشية خلال عمليات توغل في عدد من القرى الحدودية.
اطّلع على المقال: جيش الاحتلال يستهدف صحفيين بشكل مباشر في القنيطرة خلال تغطية ميدانية
السلامة المهنية.. الحلقة الأضعف
تكشف نتائج هذا التحقيق أن التهديدات التي تواجه الصحفيين في القنيطرة لا تقتصر على إطلاق النار أو التوغلات العسكرية، بل تشمل أيضاً غياب البنية المؤسسية اللازمة لحمايتهم.
فمعظم الصحفيين والناشطين، العاملين في المنطقة، لم يتلقوا تدريبات متخصصة في الصحافة ضمن البيئات الخطرة، كما أن معدات الحماية الفردية، ما تزال محدودة للغاية، في حين تفتقر غالبية المؤسسات الإعلامية التي تستفيد من إنتاجهم إلى سياسات واضحة للسلامة المهنية.
وفي منطقة تشهد توترات عسكرية متصاعدة وتحركات ميدانية مستمرة، تبدو الحاجة ملحة إلى برامج تدريب متخصصة، وتأمين معدات الحماية الأساسية، ووضع بروتوكولات واضحة لإدارة المخاطر، بما يضمن تمكين الصحفيين من أداء دورهم في نقل الحقيقة دون أن يدفعوا ثمنها من أمنهم وسلامتهم الشخصية.
ويبقى السؤال الأهم: إلى متى سيستمر الصحفيون في القنيطرة بالعمل على خطوط التماس دون شبكة حماية مهنية حقيقية، في واحدة من أكثر المناطق حساسية وخطورة في سوريا؟
- محمد جابر - طارق أبو البراء









