يأتي تجدد المظاهرات والاعتصامات في عدد من المدن والبلدات السورية خلال الساعات الماضية، والتي رفعت شعارات تطالب بمحاسبة الشبيحة وفرض العزل السياسي والاجتماعي على المتورطين في الانتهاكات، كإشارة واضحة إلى أن الشارع السوري لم يعد قادراً على تحمل استمرار الفراغ في مسار العدالة الانتقالية.
فقد خرج المحتجون في أكثر من منطقة، أبرزها في مدينة حلب وكفرنبل، ومعرة النعمان، إلى جانب اعتصامات طالبت بمحاسبة الفلول والشبيحة، في مشهد يعكس حالة تراكمية من الغضب الشعبي تجاه محاولات إعادة دمج شخصيات مرتبطة بسنوات القمع في الحياة العامة دون مساءلة، وهو ما اعتبره المتظاهرون تهديداً مباشراً للسلم الأهلي وإهانة لحقوق الضحايا.
هذه التحركات لم تكن حدثاً معزولاً، بل جاءت نتيجة شعور عام بأن الزمن يُستخدم كأداة لطمس الذاكرة، وأن التأخير المتواصل في إطلاق مسار واضح للمحاسبة يفتح الباب أمام إعادة إنتاج البُنى التي ثار السوريون عليها.
فالعدالة الانتقالية، وفق التجارب الدولية التي وثّقتها منظمات عديدة، ليست مجرد محاكمات، بل منظومة متكاملة تشمل كشف الحقيقة، جبر الضرر، إصلاح المؤسسات، وضمان عدم التكرار. غير أن هذا المسار في سورية ما يزال غائباً أو يتحرك ببطء شديد، ما خلق فراغاً خطيراً سمح بعودة بعض المتورطين إلى المشهد العام، وأدى إلى تآكل الثقة بين المجتمع والمؤسسات، ورفع منسوب الاحتقان الشعبي.
وفي هذا السياق، يلفت الباحث والسياسي عبد الرحمن الحاج إلى أن الإرث الطائفي لا يُعالج بالعدالة الانتقالية وحدها، لكنه يؤكد أن العدالة شرط أساسي لتهيئة البيئة التي تسمح بتصفية هذا الإرث داخل المجتمع.
ويذكّر بأن القلق من احتمال حدوث عمليات انتقام واسعة ضد طائفة بعينها ليس سؤالاً بريئاً، بل انعكاس لواقع صنعه النظام نفسه عبر عقود من التحريض والانقسام. ويضيف أن الاختلاف في توصيف الدوافع أو في طرح الحلول أمر طبيعي، لكن إنكار الحقيقة أو الالتفاف عليها لا يخدم السلم الأهلي ولا أخلاق الاختلاف.
كما أن المجتمعات الخارجة من النزاعات تحتاج إلى خطوات واضحة تُشعر الضحايا بأن حقوقهم محفوظة، وأن الدولة الجديدة لا تُبنى فوق ركام الذاكرة. لكن غياب هذه الخطوات يجعل الماضي حاضراً بقوة، ويحوّل كل محاولة لتجاوز الانتهاكات إلى مصدر توتر جديد.
وتشير دراسات مقارنة في تجارب دول مثل البوسنة ورواندا وتشيلي إلى أن تأخر العدالة يؤدي غالباً إلى انفجار اجتماعي مؤجل، وصراع على الرواية التاريخية، وتراجع شرعية المؤسسات الناشئة.
وفي الحالة السورية، حيث الجراح ما تزال مفتوحة والذاكرة الجمعية مثقلة بالانتهاكات، يصبح التأخير أكثر خطورة، إذ يدفع بعض الفئات إلى البحث عن بدائل خارج إطار الدولة، ويزيد من احتمالات ظهور أشكال من العدالة الفردية أو الانتقام، وهو ما يهدد السلم الأهلي ويعيد البلاد إلى دوائر العنف التي حاولت الخروج منها.
ومن هنا برز مطلبٌ آخذٌ في الاتساع يتمثل في قانون العزل السياسي، الذي تحوّل إلى مطلب جماهيري واضح، باعتباره أداة ضرورية لحماية المجال العام ومنع عودة المتورطين في القمع إلى مواقع القرار. فهذا النوع من العزل هو مهمة الدولة التي يقع على عاتقها وضع الأطر القانونية التي تضمن عدم إعادة إنتاج المنظومة الأمنية القديمة داخل مؤسسات الحكم. غير أن ثمة مستوى آخر لا يقل أهمية، وهو العزل المجتمعي الذي يمارسه الناس أنفسهم تجاه الشبيحة والمجرمين وقادة الميليشيات؛ فالمجتمع هو الحارس الأول لذاكرته الأخلاقية، وهو الذي يحدد من يمكن أن يعود إلى الحياة العامة ومن فقد شرعيته الاجتماعية بسبب تورطه في الانتهاكات والجرائم.
إن حماية الشبيحة أو إعادة تصديرهم اجتماعياً تحت أي ذريعة لا يشكل فقط إهانة لحقوق الضحايا، بل يمثل خطراً مباشراً على المجتمع والدولة معاً، لأنه يعيد إنتاج البُنى التي ثار السوريون عليها، ويقوّض أسس الثقة الضرورية لأي عملية انتقال سياسي ناجحة.
ويؤكد الناشط الإعلامي حسين هاروني هذا المعنى بقوله إن إعادة أي شبيح إلى السلطة أو مواقع القرار كان يمكن تفهّمه في الأشهر الأولى لأسباب ظرفية، أما اليوم وبعد استقرار الدولة، فلا بد من الضرب بيد من حديد على يد كل شبيح مهما علا شأنه، بل وعلى كل من يدعمه. وهو موقف يعكس شعوراً عاماً بأن التساهل لم يعد خياراً، وأن حماية السلم الأهلي تتطلب وضوحاً وحزماً.
وفي المقابل، يستحضر الداعية عبد الباري فرج الصالح تجربة الهجرة النبوية وما تلاها من فتح، مشيراً إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل مكة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
ويقارن بين هذا النموذج الأخلاقي الرفيع وبين ما أبداه بعض الفلول من سلوكيات بعد منحهم فرصة الاندماج، قائلاً إنهم لم يُظهروا لا أخلاق الجاهلية ولا مروءة أبي جهل، في إشارة إلى أن التسامح لا يمكن أن يكون بديلاً عن العدالة، ولا أن يتحول إلى غطاء لإعادة إنتاج الظلم.
إن الرسالة التي حملتها هذه المظاهرات تتجاوز حدود اللحظة الراهنة، فهي تعبير عن رفض واضح لأي محاولة لفرض “تطبيع” مع الماضي دون محاسبة، وعن تمسك المجتمع بفكرة العدالة كشرط أساسي لبناء مستقبل مستقر. فالمصالحة الحقيقية لا تُفرض على الناس، ولا تُبنى على صمت الضحايا، بل على اعتراف واضح بالجرائم، ومحاسبة عادلة، وإصلاح مؤسساتي يضمن عدم تكرار الانتهاكات.
وما لم يُفتح هذا المسار بشكل جدي، فإن كل محاولات إعادة الاستقرار ستبقى هشة، قابلة للانهيار عند أول اختبار.
إن ما يجري اليوم في الشارع السوري هو تذكير بأن العدالة المؤجلة تتحول مع الوقت إلى ظلم مضاعف، وأن تجاهل مطالب الضحايا لا يؤدي إلى الاستقرار بل إلى انفجار مؤجل. فالدول التي لا تواجه ماضيها بشجاعة تُجبَر لاحقاً على مواجهة نتائجه الكارثية.
ولذلك فإن الاحتجاجات الأخيرة ليست مجرد انتفاضة عابرة، بل جرس إنذار بأن الوقت لم يعد يسمح بالمزيد من التأجيل، وأن بناء سورية جديدة يبدأ من الاعتراف بالذاكرة، وصون حقوق الضحايا، وإطلاق مسار عدالة انتقالية حقيقي يضع البلاد على طريق التعافي.






