الذكرى السبعين لاعتماد قانون العشائر في البرلمان السوري

تمرّ البلاد اليوم بذكرى لا يصحّ أن تمرّ دون وقفة تأمل، ففي مثل هذا اليوم، الثالث عشر من حزيران عام 1956، شهدت أروقة البرلمان السوري ولادة “قانون العشائر رقم 31”. لم تكن تلك الولادة تشريعاً عادياً أُقرّ ومرّ، بل كانت مخاضاً سياسياً ودستورياً يعكس حيوية التجربة الديمقراطية السورية وفرادتها في منتصف الخمسينيات، وتحديداً في عهد رئيس الجمهورية شكري القوتلي. ولعل المفارقة الأبرز التي تمنح هذا التشريع عمقاً استثنائياً، هي أن من صاغ هذا القانون ووضع إطاره القانوني في البرلمان هو الزعيم الوطني فارس بك الخوري.

رؤية فارس الخوري تجلت في هذا القانون، فبرغم خلفيته المدنية وتوجهه لبناء دولة المؤسسات، أدرك ببعد نظره أن الاندماج الوطني يأتي بالاستيعاب والتقنين لا بالإقصاء. فجاء القانون محاولاً الموازنة بين واقع دولة فتية تسعى لترسيخ سيادة القانون، وواقع بنية اجتماعية تاريخية متجذرة في الأرض، فنظّم شؤون البادية عبر مديرية تابعة لوزارة الداخلية تحت لافتة “تحضير البدو”، واعترف برؤساء العشائر ومخاتير الأفخاذ، وترك مساحة للأعراف والتقاليد لتسير جنباً إلى جنب مع القوانين العامة.

ولأن القانون كان وليد نقاش وطني واسع، فقد أعاده رئيس الجمهورية شكري القوتلي إلى مجلس النواب دون توقيعه تحفّظاً على بعض بنوده، لكن نواب الشعب أعادوا إقراره بالأغلبية ليصبح نافذاً بقوة الدستور، مكرسين مشهداً تاريخياً يوثق بدقة طبيعة فصل السلطات والصراع السياسي السلمي الذي ميّز ذلك العهد.

​لكن هذا الإطار المستقل لم يعمر طويلاً، فمع رياح الوحدة عام 1958، وقّع الرئيس جمال عبد الناصر “القرار بالقانون رقم 166” الذي طوى هذه الصفحة بعبارة حاسمة في مادته الأولى قضت بإلغاء قانون العشائر وإخضاع أفرادها لكافة القوانين والأنظمة المطبقة على المواطنين الحضريين في الإقليم. أرادت دولة الوحدة وقتها دمج الجميع في بوتقة مواطنة واحدة وإلغاء الاستثناءات التشريعية. لكن، هل ألغى القانون السطر الأخير من الحكاية؟

فتح صفحات هذا الأرشيف بعد سبعة عقود لا يمكن اعتباره ترفاً تاريخياً، بل هو مدخل إجباري لمواجهة السؤال المصيري المؤجل: ما هو الدور الذي يمكن للعشائر أن تقوم به اليوم في بناء سورية الجديدة؟

سنوات الحرب العجاف أثبتت أن العشيرة هي عصب اجتماعي حي ومرن، وحين ترهلت المؤسسات، كانت العشيرة في كثير من الأحيان هي شبكة الأمان الأخيرة التي حمت السلم الأهلي ومنعت الانزلاق إلى الفوضى الكاملة من خلال مجالس الصلح والتحكيم العرفي، مؤكدة دورها التاريخي كبنية مكملة ومساندة للدولة في أحلك الظروف.

​الحديث عن “سورية الجديدة” يتطلب التخلي عن النظرة النمطية والسطحية التي ترى في العشائرية عائقاً أمام الحداثة والمدنية. العشيرة اليوم، لا سيما في مناطق الجزيرة السورية، تمتلك مخزوناً بشرياً من التكنوقراط، والمثقفين، والنخب الشابة القادرة على القيادة، لذا فإن استثمار هذا الرابط الاجتماعي يمثل “رافعة” حقيقية للاستقرار والمصالحة الوطنية الشاملة.

​يمكن للعشيرة أن تكون شريكاً حقيقياً في دعم خطط التنمية وحفظ الاستقرار المجتمعي، على نحو يتكامل تماماً مع مؤسسات الدولة ولا يتناقض معها، شريطة أن ينصهر ثقلها الاجتماعي داخل إطار دولة المواطنة والمدنية. إنها معادلة التكامل بين الأصالة التاريخية وسيادة القانون الحديث التي تذكرنا بطروحات فارس الخوري وعهود الآباء المؤسسين كشكري القوتلي، لتكون العشيرة مكملاً حقيقياً لمؤسسات الدولة، وحجراً أساسياً في إعمار الإنسان والبنيان في سورية القادمة.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top