أصبحت كاميرات المراقبة والهواتف الذكية شهوداً لا يقبل التغيير، ولم يعد الصراع أمام القضاء يدور فقط حول “من يقول الحقيقة”، بل أحياناً حول “من يملك الحقيقة ومن يحتكرها”. وهنا تبرز إشكالية خطيرة: الامتناع عن تسليم تسجيلات الفيديو أو إخفاؤها عندما تكون دليلاً حاسماً في النزاع، كما في الفيديوهات العائدة للمتهم أمجد يوسف.
هذه الممارسة، التي قد تبدو للبعض “تصرفاً خاصاً” أو “قراراً شخصياً”، يمكن أن تتحول عملياً إلى أداة فعالة لتعطيل العدالة أو توجيه مسارها.
تسجيلات الفيديو ليست مجرد بيانات رقمية، لكنها إعادة إنتاج مباشرة للواقعة، لذلك تعتمد عليها المحاكم والنيابات بشكل متزايد في القضايا الجزائية.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في غياب الدليل، بل في وجوده داخل جهة تمتنع عن تسليمه كما تفعل الجهة التي تملك فيديوهات المتهم أمجد يوسف، أو تقوم بحذفه قبل وصوله إلى القضاء مثلاً. هنا يتحول الدليل من أداة لإظهار الحقيقة إلى وسيلة لإخفائها.
القانون في معظم الأنظمة، ومنها القانون السوري، لا يضع عنواناً مباشراً لـ”عدم تسليم تسجيلات الفيديو”، لكنه يتعامل مع الفعل ضمن إطار أوسع مثل حماية سير العدالة ومنع إتلاف الأدلة أو عرقلتها.
فإذا صدر طلب قضائي بإبراز تسجيلات، فإن الامتناع عن التنفيذ لا يبقى مجرد موقف سلبي، بل قد يُفسَّر ضمن سياق ما يسمى إخفاء دليل جوهري أو التأثير على مجريات الدعوى أو عرقلة تمكين الخصم من حقه في الإثبات، وهنا تنتقل المسألة من خلاف إلى شبهة مساس بسير العدالة.
لكن العدالة في القانون الدولي تنص على أنه لا مساواة دون أدلة.
المعايير الدولية أكثر وضوحاً، فمبدأ “المحاكمة العادلة” لا يعني فقط وجود قاضٍ مستقل، بل أيضاً وجود توازن حقيقي بين الأطراف في القدرة على تقديم الأدلة ومواجهتها.
ويؤكد القانون الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أن لكل فرد حقاً في وسيلة إنصاف فعالة أمام القضاء، وهو ما يفترض عملياً عدم عرقلة الوصول إلى الأدلة الفاعلة.
كما يرسخ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مبدأ اللجوء الفعّال إلى القضاء، وهو حق يفقد معناه إذا كانت الأدلة الحاسمة محجوبة أو محذوفة عمداً.
الإشكال الأخطر يظهر عندما تكون جهة الاحتفاظ بالتسجيلات تمتلك نفوذاً أو سيطرة على مكان الحادث، شركة أو مؤسسة أو حتى جهة عامة. في هذه الحالة يصبح احتكار الفيديو شكلاً من أشكال احتكار الحقيقة.
ومع التطور التقني، لم يعد حجب التسجيلات مجرد فقدان دليل، بل قد يُقرأ أحياناً كفعل مقصود لإعادة تشكيل الرواية قبل وصولها إلى المحكمة.
العدالة لا تُبنى على ما يُعرض فقط، بل على ما يُخفى أيضاً.
العدالة لا تتأثر فقط بالأدلة المقدمة، بل أيضاً بالأدلة المحجوبة. فغياب تسجيل فيديو قد يكون أحياناً أكثر دلالة من وجوده، خاصة عندما يكون معروفاً أنه كان موجوداً ثم اختفى في لحظة حرجة.
ومن هنا، لم يعد السؤال القانوني مجرد: “هل يوجد دليل؟”، بل أصبح أيضاً: “من يملك الدليل، ولماذا لا يقدمه؟”.
إخفاء تسجيلات الفيديو أو الامتناع عن تسليمها في نزاع قضائي ليس تفصيلاً هامشياً، بل قد يشكل في جوهره مساساً مباشراً بمبدأ العدالة الإجرائية، فكل نظام قانوني مهما اختلفت نصوصه يقوم على قاعدة واحدة: لا يمكن تحقيق العدالة إذا كانت الحقيقة محجوبة عمداً عن القاضي أو أحد الخصوم.
فعدم تسليم تسجيلات المتهم أمجد يوسف هو إعاقة للوصول إلى العدالة التي تنتظرها آلاف العائلات.






