أيام جميلة؟ اسألوا أطفال رانيا العباسي

عندما أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين أنها توصلت بدرجة عالية من اليقين إلى مصير أطفال الدكتورة رانيا العباسي وعائلتها، لم يكن الخبر اكتشافاً جديداً بقدر ما كان فتحاً لجراح لم تلتئم يوماً.

ثلاثة عشر عاماً تقريباً، وسوريا كلها تسأل: أين ذهبت هذه العائلة؟ أين الطبيبة التي كرّست حياتها لعلاج الناس؟ أين زوجها الطبيب؟ أين الأطفال الذين كان أكبر أحلامهم أن يكبروا بين ألعابهم ومدارسهم وأحضان والديهم؟

اليوم، تتكشف الحقيقة المرعبة: لم يكونوا مختبئين في مكان ما، ولم يغادروا البلاد سراً، ولم تبتلعهم الأرض كما حاول القتلة إقناعنا. لقد كانوا ضحية واحدة من أبشع الجرائم التي عرفتها سوريا الحديثة.

في أي وطن طبيعي، يكفي قتل طفل واحد ليهتز ضمير أمة كاملة.

أما نحن، فقد وصلنا إلى مرحلة نحتاج فيها إلى تذكير العالم بأن أطفالاً كاملين اختفوا مع أمهم وأبيهم، ثم مرت السنوات وكأن شيئاً لم يكن.

هنا يبرز السؤال الذي يجب أن يطارد كل من يحنّ إلى تلك الأيام السوداء: أي أيام جميلة يتحدثون عنها؟ أي استقرار هذا الذي كان يسمح لأجهزة الأمن بأن تقتلع عائلة كاملة من جذورها؟ أي دولة تلك التي يستطيع فيها ضابط أو عنصر أو مخبر أن يمحو أسرة كاملة من السجل المدني ومن الحياة ومن الذاكرة؟

حين نسمع اليوم من يقول إن الأوضاع كانت أفضل في زمن النظام الساقط، يجب أن نتذكر أطفال رانيا العباسي. نتذكر آلاف الأطفال الذين لم يعودوا إلى بيوتهم. نتذكر آلاف الأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن عند أبواب السجون. نتذكر عشرات آلاف المفقودين الذين ما زالت عائلاتهم تبحث عن قبر، أو صورة، أو معلومة، أو حتى عظمة تؤكد أن أحباءهم كانوا موجودين يوماً.

إن قضية رانيا العباسي ليست قضية عائلة فقط. إنها مرآة لسوريا كاملة.

سوريا التي كان يمكن أن تُعتقل فيها لأن أحداً كتب تقريراً. سوريا التي كان يمكن أن تُقتل فيها لأن أحداً أراد الانتقام. سوريا التي كان يمكن أن يختفي فيها الأطفال كما تختفي الأوراق من ملف قديم.

ولذلك لنتفق على أن العدالة هنا شرط من شروط الشفاء الوطني، وليخرس كل من يقول إنها رغبة في الانتقام.

فلا يمكن أن تقوم دولة محترمة فوق قبور مجهولة. ولا يمكن أن يُطلب من الضحايا النسيان قبل معرفة الحقيقة. ولا يمكن أن نتحدث عن المستقبل بينما ما زالت ملفات القتلة مفتوحة.

إن أمجد يوسف ليس مجرد اسم في قضية جنائية. إنه رمز لمرحلة كاملة تحولت فيها السلطة إلى آلة سحق للبشر. لكن من أكبر الكبائر أن نختصر المأساة فيه وحده.

دعونا ألا نكون مغفلين قليلاً.. فكل جريمة بهذا الحجم لا تبدأ عند القاتل الذي ضغط الزناد فحسب، تبدأ عند من أصدر الأمر، ومن كتب التقرير، ومن أخفى الحقيقة، ومن وفّر الحماية، ومن برر الجريمة، ومن أقنع الناس أن الضحية والجلاد سواء.

لقد قُتل الأطفال أولاً، ثم قُتلت الحقيقة لسنوات طويلة.

واليوم، بعد أن بدأت الحقيقة بالخروج من بين الركام، فإن أقل ما يستحقه هؤلاء الأطفال هو أن يعرف السوريون أسماء من قتلهم، وأسماء من أخفاهم، وأسماء من ظن أن الزمن كفيل بمحو الجريمة.

الأكيد.. لن يعيد القصاص طفلاً إلى حضن أمه. ولن يعيد طبيباً إلى عيادته. ولن يعيد عائلة كاملة إلى بيتها.

لكنه قد يعيد شيئاً واحداً تحتاجه سوريا أكثر من أي وقت مضى: الإيمان بأن الدم لا يصبح مباحاً بمجرد أن القاتل كان يرتدي زياً رسمياً.

أطفال رانيا العباسي لم يحملوا سلاحاً، ولم يشاركوا في حرب، ولم يهددوا أحداً. كل ما فعلوه أنهم وُلدوا في زمن ظن فيه بعض المجرمين أن بإمكانهم قتل الناس وإخفاءهم إلى الأبد.

لكن الحقيقة، مهما تأخرت، تصل.

وها هي تصل اليوم محمّلة بوجع وطن كامل.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top