أثار البلاغ رقم 201 الصادر عن وزارة الداخلية السورية لتنظيم التظاهر السلمي موجة واسعة من النقاش والانتقادات، تراوحت بين من اعتبره خطوة ضرورية لضبط المجال العام، ومن رأى فيه بداية مسار قد يفضي إلى تقييد واحدة من أهم الحريات التي اكتسبها السوريون خلال الثورة.
البلاغ، الذي يفرض على الجهة الراغبة بتنظيم مظاهرة تشكيل لجنة خاصة وتقديم طلب رسمي إلى المحافظة، يفتح سلسلة من الإجراءات تبدأ بإحالة الطلب خلال 24 ساعة إلى “اللجنة المعنية”، التي تمتلك خمسة أيام للبت فيه.
ورغم أن الوزارة قدّمت البلاغ بوصفه إطارًا تنظيميًا يهدف إلى حماية الأمن العام وضمان سلامة المواطنين، إلا أن تفاصيله أثارت تساؤلات قانونية وسياسية واسعة.
تيار سورية الجديدة كان من أوائل الجهات التي أصدرت بياناً رسمياً حول البلاغ، مؤكداً أن حق التظاهر السلمي “حق أصيل اكتسبه السوريون عبر الثورة”، وأن المرحلة الانتقالية، رغم حساسيتها ووجود أطراف قد تستغل مناخ الحريات، لا تبرر فرض قيود واسعة على هذا الحق.
التيار اعتبر أن تنظيم التظاهر عبر “بلاغ” إداري بدلًا من قانون يصدر عن السلطة التشريعية أمر غير مبرر، خصوصًا أن مجلس الشعب لم يُفعّل بعد للقيام بدوره في إقرار التشريعات الأساسية.
وأشار البيان إلى غياب الوضوح في البلاغ بشأن القوانين التي استند إليها، وعدم تحديد طبيعة “اللجنة المعنية” أو آلية تشكيلها أو معايير تقييمها للطلبات، ما يفتح الباب أمام قرارات تقديرية واسعة. كما انتقد المدة الزمنية المطلوبة للترخيص، معتبرًا أنها تُفرغ التظاهر من قيمته كأداة استجابة سريعة للأحداث الطارئة.
الجدل ازداد بعد مقابلة المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، على قناة الإخبارية السورية، حيث قدّم تفسيرًا موسعًا لمعايير قبول أو رفض طلبات التظاهر، شمل خلفية الجهة المنظمة وطبيعة مطالبها وما إذا كانت هذه المطالب “تحتاج إلى مظاهرة أصلًا”. هذا الطرح اعتبرته جهات حقوقية معيارًا فضفاضًا يسهّل رفض الطلبات. كما أثار شرط تقديم تعهّد لدى كاتب العدل بالتعويض عن أي أضرار محتملة انتقادات واسعة، وُصف بأنه “تعجيزي” وغير معمول به في الدول التي تكفل الحد الأدنى من الحريات.
الحقوقي ميشال شماس اعتبر أن البلاغ “أعاد إنتاج الشروط ذاتها” التي وردت في قانون التظاهر بعهد النظام البائد رقم 54 لعام 2011، والذي وُصف حينها بأنه قانون لمنع التظاهر. وأكد أن تنظيم حق دستوري لا يتم عبر بلاغ إداري، بل عبر قانون يصدر عن السلطة التشريعية، معتبراً البلاغ “غير قانوني ومخالفاً للإعلان الدستوري”.
في المقابل، ظهرت أصوات ترى في البلاغ خطوة نحو تنظيم المجال العام بعد فوضى الوقفات العشوائية، معتبرة أن التظاهر المنظم جزء طبيعي من الحياة السياسية.
الكاتب والصحفي “محمد علي صابوني” وصفه بأنه “خطوة في الاتجاه الصحيح”، فيما رأى الصحفي غسان إبراهيم أن التظاهر السلمي وسيلة حضارية للتعبير والضغط، وأن تنظيمه بالقانون يعزز دوره في الحياة العامة.
بين هذه المواقف المتباينة، يبقى النقاش مفتوحًا حول كيفية صياغة إطار قانوني يضمن حق التظاهر ويحميه، دون أن يتحول إلى أداة تقييد أو وسيلة لفرز الطلبات وفق معايير غير واضحة.
يُظهر هذا النقاش الدائر حول بلاغ وزارة الداخلية أن مسألة تنظيم التظاهر السلمي ما تزال إحدى أكثر القضايا حساسية في المشهد السوري الراهن، وأن أي خطوة تتصل بالحريات العامة تحتاج إلى وضوح تشريعي وثقة متبادلة بين المجتمع والسلطات.
وبين من يرى في البلاغ محاولة لضبط الفوضى، ومن يخشى تحوّله إلى أداة تقييد، يبقى المعيار الحقيقي في قدرة المؤسسات على إنتاج إطار قانوني شفاف يضمن ممارسة الحق في التظاهر دون انتقاص، ويحفظ في الوقت نفسه استقرار المجال العام. وفي انتظار هذا الإطار، سيظل النقاش مفتوحاً بوصفه جزءاً من عملية إعادة بناء الحياة السياسية على أسس قانونية واضحة ومسؤولة






