لم يكن خروج نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس من قاعة المفاوضات في العاصمة الباكستانية إسلام آباد مجرد انسحاباً عادياً، بل إعلاناً صريحاً عن انسداد مسار تفاوضي استمر 21 ساعة متواصلة بين الولايات المتحدة وإيران دون التوصل إلى أي اتفاق.
فانس أوضح أن الإيرانيين “اختاروا عدم قبول الشروط الأمريكية”، مؤكداً أن العرض الذي قدمته واشنطن كان “الأفضل والأخير”، وهو تصريح حمل في طياته رسالة ضغط مباشرة على طهران بأن واشنطن لن تقدم تنازلات إضافية.
في المقابل، شددت الخارجية الإيرانية على أن الخلافات تركزت حول قضيتين أساسيتين، فيما كشفت مصادر مطلعة أن الأولى تتعلق بمطالب إيران بالسيطرة على مضيق هرمز، والثانية برفضها التخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب، ما يعكس أن الهوة بين الطرفين ليست تقنية بل وجودية تتعلق بالسيادة والأمن القومي.
المفاوضات التي استضافتها باكستان جاءت في سياق محاولة لتمديد وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، لكنها انتهت دون نتائج ملموسة، لتضع الوساطة الباكستانية أمام تحديات أكبر.
فيما دعا وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار الطرفين إلى الالتزام بالهدنة رغم الفشل، مؤكداً أن بلاده ستواصل جهودها لتقريب وجهات النظر، إلا أن التحركات الميدانية الأمريكية، ومنها عبور مدمرتين مزودتين بصواريخ موجهة عبر مضيق هرمز، أظهرت أن واشنطن لا تكتفي بالضغط الدبلوماسي بل تلجأ إلى استعراض القوة العسكرية لتأكيد حرية الملاحة في الممر الذي يمر عبره خُمس نفط العالم.
هذا التصعيد يضع الهدنة الهشة على المحك ويزيد من احتمالات انهيارها في أي لحظة.
من زاوية أخرى، يتضح أن واشنطن دخلت المفاوضات بخطوط حمراء واضحة: تفكيك البرنامج النووي الإيراني وضمان عدم تصنيع أسلحة نووية، إضافة إلى إعادة فتح مضيق هرمز فوراً، بينما ترى طهران أن برنامجها النووي جزء من سيادتها الوطنية وأن السيطرة على المضيق ورقة استراتيجية لا يمكن التخلي عنها دون مقابل ملموس.
هذا التباين يعكس صراعاً على قواعد اللعبة الإقليمية، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى فرض معادلة أمنية جديدة في الخليج، فيما تحاول إيران تثبيت موقعها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.
تصريحات المسؤولين الإيرانيين، من رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف إلى النائب الأول للرئيس محمد رضا عارف، أكدت أن واشنطن لم تكسب ثقة طهران وأن المطالب الأمريكية وُصفت بأنها “غير معقولة”، مع الإشارة إلى أن إيران ستدافع عن حقوقها بدءاً من السيطرة على المضيق وصولاً إلى المطالبة بتعويضات الحرب.
الانعكاسات المباشرة لهذا الفشل تتمثل في هشاشة الهدنة القائمة، إذ أن استمرار التصعيد الميداني، سواء عبر التحركات العسكرية الأمريكية أو عبر تمسك إيران بمواقفها، يجعل من احتمال انهيار وقف إطلاق النار أمراً وارداً في أي لحظة.
كما أن انسداد الأفق الدبلوماسي يفتح الباب أمام مزيد من التوترات التي قد تمتد إلى أسواق الطاقة العالمية، حيث يشكل مضيق هرمز شرياناً أساسياً لتدفق النفط.
وبينما تواصل باكستان لعب دور الوسيط، يبقى السؤال حول قدرة الأطراف على تجنب الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، في ظل معادلة معقدة تجمع بين السيادة النووية والسيطرة على المضائق وضغوط الأمن القومي الأمريكي.
ما جرى في إسلام آباد لم يكن مجرد جولة تفاوضية فاشلة، بل محطة تكشف عمق الهوة بين واشنطن وطهران وتؤكد أن أي حل يتطلب إعادة صياغة قواعد اللعبة الإقليمية، وليس مجرد تفاهمات تقنية عابرة.





