قرية عين الحجل في الجولان السوري المحتل خاص مؤسسة جولان

في شمال هضبة الجولان السوري المحتل، قامت قرية عين الحجل، المعروفة أيضًا باسم عيون الحجل، على أرض بازلتية صعبة، ضمن بيئة فرضت على سكانها نمط عيش قائمًا على العمل المتواصل والتكيّف مع الطبيعة. ورغم محدودية عدد سكانها، شكّلت القرية جزءًا من النسيج الزراعي والاجتماعي في محافظة القنيطرة، وتميّزت بهوية واضحة وروابط داخلية متماسكة.

تقع القرية على بعد نحو سبعة كيلومترات شمال غربي مدينة القنيطرة، على الطريق الواصل إلى بلدة مسعدة، وإلى الشمال من تل البرم، بارتفاع يقارب 1020 مترًا عن سطح البحر. وتحدّها بقعاثا من الشمال، وعين الحمراء والمنصورة من الشرق، ومنطقة الحجف جنوبًا، فيما تمتد حدودها غربًا باتجاه سكيك وكرز الطويل.

تكوّنت أراضي عين الحجل من صخور بازلتية بركانية، وهي سمة عامة في الجولان، ما جعل الزراعة فيها عملية تتطلب جهدًا يوميًا لتأهيل التربة. عمل السكان على تفتيت الصخور وتنقية الأرض، واستفادوا من المساحات القابلة للزراعة ضمن خبرة تراكمت عبر الأجيال، وشكّلت أساس العلاقة بينهم وبين المكان.

بلغ عدد سكان القرية قبيل عام 1967 نحو 380 نسمة، ينتمي معظمهم إلى عشيرة الفضل العربية. واتسمت الحياة الاجتماعية بدرجة عالية من الترابط، حيث قامت على علاقات القرابة والتعاون، وبرزت المشاركة الجماعية في العمل الزراعي والمناسبات الاجتماعية.

احتلت «المضافة» موقعاً محورياً في الحياة العامة؛ إذ شكّلت فضاءً لاستقبال الضيوف، ومناقشة شؤون القرية، وتسوية الخلافات، وتبادل الأخبار. ويصف المؤرخ وصفي زكريا هذا الدور في كتابه «عشائر الشام» بقوله:«المضافة في قرى الجولان كانت بمثابة النادي والبرلمان؛ تجتمع فيها الكلمة، وتُصان بها القيم، وكانت رمزاً لنبل البداوة واستقرار الفلاحة».

اعتمد سكان عين الحجل على الزراعة البعلية، فزرعوا القمح والشعير والبقوليات والذرة، إلى جانب العنب والتين، كما شكّلت تربية الأبقار والأغنام موردًا اقتصاديًا مهمًا. وأسهمت النساء في الصناعات المنزلية، ولا سيما حياكة المنتجات الصوفية التي استُخدمت للاستهلاك المحلي أو جرى تبادلها وبيعها.

ومن أبرز الممارسات الاجتماعية المرتبطة بالزراعة “العَوْنة”، وهي تقليد يقوم على العمل الجماعي خلال مواسم الحصاد، حيث تتعاون العائلات في إنجاز الأعمال الزراعية، في مشهد يعكس بنية اجتماعية قائمة على التكافل والتضامن.

بُنيت منازل القرية من الحجر البازلتي المنحوت، بأسقف قائمة على القناطر وجذوع الأشجار، وجاء تصميمها متوافقًا مع طبيعة المناخ. ويشير الباحث تيسير خلف إلى هذا النمط المعماري بقوله:
“إنه نتاج معرفة دقيقة بالبيئة، حيث يتحوّل الحجر البركاني إلى مأوى يحفظ الدفء شتاءً والبرودة صيفًا”.

في العاشر من حزيران/يونيو 1967، سقطت قرية عين الحجل تحت الاحتلال الإسرائيلي ضمن احتلال هضبة الجولان، وأُجبر سكانها على النزوح شرقًا، في سياق عملية تهجير واسعة شملت أكثر من 130 ألف سوري، وترافقت مع تدمير مئات القرى والمزارع. غادر الأهالي القرية في ظروف قسرية، تاركين خلفهم منازلهم وأراضيهم وممتلكاتهم.

ولم تقتصر الإجراءات على إخلاء السكان، بل جرى تدمير القرية بالكامل، في إطار سياسة هدفت إلى منع العودة ومحو الوجود السوري في المنطقة. وصودرت الأراضي الزراعية، وأُقيمت مستوطنة “أوروم” إلى الشمال من موقع القرية.

 استقرّ معظم أبناء عين الحجل في سبينة والحجر الأسود بعد النزوح بريف دمشق، حيث أعادوا تشكيل مجتمعهم، مع الحفاظ على روابطهم العائلية وهويتهم المحلية. ورغم البعد الجغرافي، بقيت القرية حاضرة في تفاصيل حياتهم اليومية.

ومع اندلاع الثورة السورية في سوريا عام 2011، تعرّض أبناء القرية لموجة نزوح جديدة، ما أدى إلى تشتتهم داخل البلاد وخارجها، وتوسيع رقعة الشتات. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدد أبناء القرية وأحفادهم يتراوح بين 2000 و2500 نسمة.

رغم غيابها المادي، لا تزال عين الحجل قائمة في السجلات الرسمية السورية، حيث تُثبت الوثائق المدنية انتماء السكان إليها، وتُذكر كموطن أصلي في الهويات الصادرة عن القنيطرة. وعلى المستوى الاجتماعي، تستمر روابط الانتماء بين أبناء القرية، وتظهر في المناسبات المختلفة، إلى جانب حرص الأجيال الجديدة على معرفة تاريخ القرية وحدود أراضيها.

إلى جانب الوثائق الرسمية والدراسات البحثية، تحتفظ الشهادات الشفوية بمكانة أساسية في توثيق تاريخ القرية، إذ تنقل تفاصيل الحياة اليومية وتجربة التهجير من منظور مباشر. وفي شهادات منسوبة إلى تقارير تلفزيون فلسطين، يستعيد أبناء القرية ملامح حياتهم قبل عام 1967.

يقول عبد الرحمن الفضل:
“كانت قرية جميلة… كل أفراحنا وذكرياتنا هناك”.

ويضيف في شهادة أخرى:
“يوم تهجّرنا كان عمري عشر سنوات، وأنا من مواليد عام 1957. ما زلنا نذكر الأحراش، والزراعة، وكروم العنب، والأسواق في المدينة، حيث كنّا ننزل مع أهلنا. كانت الحياة بسيطة، لكنها مليئة بالتفاصيل”.

ويقول مصطفى العلي:
“الأرض والعِرض غاليان. مهما طال الزمن، نحن ننتظر العودة، ونعلّم أولادنا أسماء الأراضي كأننا سنعود غدًا”.

تُظهر هذه الشهادات أن حضور القرية لم ينقطع، بل استمر عبر الذاكرة الفردية والجماعية، بوصفه عنصرًا مكوّنًا للهوية.

ولا تقتصر هذه الروايات على الذاكرة الشفوية، بل تتقاطع مع ما ورد في الدراسات والوثائق الحقوقية التي وثّقت ما تعرّضت له القرية من اقتلاع. ففي كتابه “الجولان.. الأرض والشعب”، يشير الباحث تيسير خلف إلى أن سكان قرى شمال القنيطرة فقدوا نظامًا حياتيًا كاملًا كان قائمًا على الأرض، وأن أبناءهم ما زالوا يحملون هذه الذاكرة في أماكن نزوحهم.

كما توثّق شهادات حقوقية أن ما جرى تجاوز التهجير إلى محو جغرافي متعمّد، حيث استُبدلت الأراضي الزراعية بمناطق مغلقة، ما يعقّد إمكانية العودة ويحوّلها إلى مسار طويل من المطالبة القانونية.

لا تزال عين الحجل حاضرة في الوعي الجمعي لأبنائها، ليس بوصفها موقعًا جغرافيًا فحسب، بل كإطار للهوية والانتماء. وتستمر هذه الحضور عبر الذاكرة، والروابط الاجتماعية، والوثائق الرسمية، في تأكيد أن القرية لم تُمحَ، رغم غيابها عن الخريطة

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top