سوريون يجتمعون بالساحات رفضاً للتقسيم

سنة واحدة فصلت بين سقوط الطاغية وهروبه، وبدأت الأصوات تتصاعد: «فلان طائفي، فلان علماني، فلان سني متطرف، فلان علوي مارق» كأننا غيرنا وجه اللعبة فقط ولم نسقط النظام.
قبل أيام جلست عند بقال حكاياته لا تنتهي. قال لي: «لما سقط بشار، فرحت يومين. بعدين جارتي العلوية سألتني: إنت شو بدك تعمل فينا؟ وجاري السلفي حكالي: هلق بدنا ناخد حَقنا. وأنا يا أخي بدي فقط أولادي يروحوا ع المدرسة وما حد يسألني شو اسمي ولا شو مذهبي».

هذه هي سوريا الحقيقية. ليست قضية أديان ولا خلاف بالعبادات. مشكلتنا بالبيئة التي عاشت ستين سنة على سمّ الفرقة. بشار وأبوه من قبله زرعوا فكرة أن سوريا «لوحة فسيفساء» لا يمكن أن تعيش إلا تحت حاكم قوي يمسك رؤوس الطوائف ويخوفها من بعضها البعض. نجحوا في ذلك، ومازلنا نعمل على لعبتهم الوسخة حتى بعد سقوط أنظمتهم.
المشكلة أن بشار الأسد نجح. نعم، نجح.
نجح ليس فقط عندما كان في القصر، بل نجح أكثر بعد أن هرب. لأن لعبته بقيت تعمل وحدها، ونحن نشغّلها يومياً بأيدينا، في فيسبوك، في الإعلام، في أحاديثنا، في خوفنا من بعضنا، وفي تصنيفنا لبعضنا.
نحن لم نتحول إلى طوائف لأننا نصلي بطرق مختلفة، ولا لأننا نذهب إلى جوامع وكنائس وحسينيات.
نحن تحولنا إلى طوائف لأن كل جماعة عاشت في بيئة مختلفة، وخافت خوفاً مختلفاً، وتعرضت لقصة مختلفة، وصدّقت رواية مختلفة. في سوريا لا يوجد شيء اسمه كتلة واحدة.
لاحظوا معي: السني بدمشق غير السني بحلب. والعلوي بالقرداحة غير العلوي بطرطوس. والمسيحي بحمص غير المسيحي بالسقيلبية. مثلا، أهل السقيلبية ومحيطهم – بكل طوائفهم – بيئتهم مختلفة، عقلية بدوية متحجرة، باللهجة واللباس والطباع. بينما مسيحيو الجزيرة وحمص ودمشق مختلفين تماماً. هذه ليست دعوة للتمييز، هي قراءة لواقع صنعه نظام على مدى عقود.

لا نلوم الحكومة الحالية بتقصيرها بالتنمية، فالفساد واللصوصية التي تركها بشار الأسد تحتاج سنين لتنظيفها. لكننا نلومها ثقافياً وإعلامياً: لا مواد تثقيفية، ولا تلفزيون تعليمي، ولا برامج تعيد بناء العقل السوري. الفكر الذي نهشنا ستين سنة يحتاج إلى موازاة العمل على الأرض. ولا يمكن أن تنجح أي حكومة، مهما كانت نواياها جيدة، إذا كان المجتمع نفسه مفككاً من الداخل، ومليئاً بالشك والكراهية وسوء الفهم.

كان يجب أن يبدأ العمل من هنا:
من المدرسة، ومن التلفزيون، ومن الدراما، ومن البرامج، ومن حملات إعلامية حقيقية تخاطب كل بيئة بلغتها، وتشرح للناس ماذا حدث لهم خلال ستين سنة، وكيف تم اللعب بهم، وكيف تم تخويف كل طائفة من الأخرى، حتى أصبح الجميع ضحايا والجميع يظن نفسه مهدداً من الجميع.

واحد من الأمثلة المهمة والمؤلمة في نفس الوقت على تخبط القرارات الحكومية: على سبيل المثال كان الأجدر بعدم فصل آلاف الموظفين وهم في فقر مدقع. الفصل كان يجب أن يطال من يسرق المعاشات ومن يتقاضى عدة رواتب بالفساد، أما من كان مجبراً على الوظيفة ليطعم أولاده فيبقى ويُدرّب لاحقاً. فبرنامج التنمية الشامل يستفيد من الجميع، ولا يزيد الطين بلة.

سوريا ليست مشكلة طوائف. سوريا مشكلة بيئة صدّقت اللعبة. عندما ننتصر على فكرة بشار الأسد ونظامه التي حفرها في عقولنا ستين سنة.. عندها تسقط فكرة الطوائف نفسها.
لن ننهض إلا حين ننتصر على فكره. ولن يطلب من المواطن الصبر على التنمية قبل أن يجد من يعيد له كرامته التي سلبها إياه نظام قال له: «أنت لا تساوي شيئاً بدوني».

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top