شكّلت بلاد سوريا بحكم موقعها الجغرافي بين آسيا والبحر المتوسط، مجالاً تاريخياً مفتوحاً لتعاقب الحضارات وتداخل الانتماءات الثقافية والدينية، فمنذ القِدم، لم تعرف هذه المنطقة استقراراً على هويةٍ واحدة بقدر ما عرفت تراكم طبقاتٍ حضارية متتابعة، لكل منها لغتها ونظامها الرمزي والديني.
في العصور القديمة، كانت سوريا جزءاً من المجال السامي الواسع، حيث برزت فيها حضارات متعددة مثل الآشورية والفينيقية والآرامية، وقد اتخذت هذه الكيانات أشكالاً سياسية وثقافية متباينة، دون أن تنشئ وحدة هوية جامعة بالمعنى الحديث، ففي حين مثّلت الإمبراطوريات الآشورية نموذجاً للهيمنة السياسية، برز الفينيقيون في المدن الساحلية بوصفهم قوة بحرية وتجارية، بينما انتشرت الآرامية كلغة تواصل واسعة في الداخل السوري.
ومن رحم الآرامية تطورت السريانية، التي ارتبطت لاحقاً بالمسيحية الشرقية، وأصبحت لغةً دينية وأدبية مهمة منذ القرون الأولى للميلاد، غير أن السريانية، في سياقها التاريخي، لم تكن هوية سياسية أو قومية شاملة، بل إطاراً لغوياً وثقافياً ذا طابع ديني، استُخدم ضمن جماعات مسيحية متعددة، ولذلك فإن توصيف سوريا بأنها “سريانية” يتطلب حذراً منهجياً، إذ إن هذه المرحلة، على أهميتها، لم تكن سوى طورٍ من أطوار متعددة مرّت بها بلاد سوريا.
وعلى الصعيد الديني، شهدت سوريا تحولات عميقة، ففي البدايات سادت الديانات الوثنية التي تجلّت في المعابد والطقوس المرتبطة بتعدد الآلهة، ثم ظهرت اليهودية في بعض البيئات، قبل أن تنتشر المسيحية تدريجياً، لتغدو في العهد البيزنطي الدين الغالب، مصحوبة بازدهار فكري ولاهوتي كان للسريانية فيه دور بارز، ومع القرن السابع الميلادي دخلت الجيوش الإسلامية إلى سوريا، فبدأت مرحلة جديدة أعادت تشكيل البنية الدينية والثقافية، حيث أصبحت العربية لغة الإدارة والثقافة، وغدا الإسلام الإطار الديني الأوسع.
ويُجسّد الموقع الذي يقوم عليه الجامع الأموي في دمشق هذا التعاقب بوضوح، إذ تشير المصادر التاريخية إلى أنه كان في الأصل معبداً وثنياً في العهد الروماني، ثم تحوّل إلى كنيسة في العصر البيزنطي، قبل أن يُعاد بناؤه مسجداً في العهد الأموي، وإن هذا التسلسل لا يعكس تبدّل في الوظيفة الدينية فقط، بل يكشف عن تحولات أعمق في البنية الحضارية للمجتمع.
إن قراءة التاريخ السوري من منظور أحادي سواء عبر التركيز على السريانية أو غيرها، تتجاهل الطبيعة المركّبة لهذا التاريخ، فكما كانت هناك مرحلة سريانية، كانت هناك أيضاً مراحل آشورية وفينيقية وآرامية وعربية، وكما عرفت البلاد الوثنية والمسيحية، فقد أصبحت لاحقاً جزءاً من العالم الإسلامي، ومن هنا، فإن أي محاولة لاختزال سوريا في هوية واحدة تُعدّ إسقاطاً لمفاهيم معاصرة على واقع تاريخي متغير.
أما في العصر الحديث، فقد تشكّلت سوريا ضمن إطار الدولة الوطنية، حيث برز الانتماء العربي بوصفه الإطار الثقافي والسياسي الأوسع، وأصبح الإسلام بغالبية سنّية هو الدين السائد، مع استمرار وجود مكوّنات دينية وثقافية أخرى تعكس الامتداد التاريخي للتعددية.
وإن الدعوة إلى حصر هوية سوريا بلونٍ واحد مهما كان مصدره، سواء من أكثرية أو أقلية، تتعارض مع معطيات التاريخ ذاته، فسوريا لم تتشكّل عبر مسار أحادي، بل عبر تفاعل طويل بين جماعات وثقافات وأديان متعددة، لم ينجح أيٌّ منها في إلغاء الآخر أو احتكار تعريف البلاد بصورة نهائية، ومن ثم، فإن اختزال هذا الإرث المركّب في هوية واحدة يُعدّ قراءة انتقائية للتاريخ، تتجاهل طبيعته التراكمية، وتحوّل التنوع من عنصر غنى حضاري إلى موضع إقصاء..
إن المقاربة الأكثر اتساقاً مع المنهج التاريخي تقتضي الاعتراف بالتعدد بوصفه سمةً بنيوية في تكوين سوريا، لا استثناءً طارئاً عليها.
وخلاصة القول، إن سوريا لم تكن في أي مرحلة كياناً ذا هوية ثابتة مغلقة، بل تراكمًا تاريخياً دينامياً، تعاقبت عليه هويات متعددة دون أن تحتكر إحداها تعريفه النهائي، ومن ثم، فإن المقاربة الأكاديمية لتاريخها تقتضي فهم هذا التراكم، والتمييز بين المراحل المختلفة، دون منح أي منها صفة الحصرية أو الامتداد المطلق.
- أحمد المحمود






