الناشط السوري رضوان محير (خاصة بمؤسسة جولان الإعلامية)

في شهادة خاصة لـ مؤسسة جولان الإعلامية، وخلال مقابلة مع الصحفية بثينة الخليل، يستعيد الناشط الإعلامي رضوان محير بدايات العمل الإعلامي في حي بابا عمرو بمدينة حمص خلال الأشهر الأولى من الثورة السورية عام 2011، كاشفاً تفاصيل الاجتماعات الأولى للتنسيقيات، وطرق نقل الأخبار في ظل الرقابة الأمنية، والصعوبات التي واجهها النشطاء أثناء توثيق المظاهرات والانتهاكات.

وُلد رضوان محير عام 1990 في حي بابا عمرو، وكان شغفه الأساسي كرة القدم، كما كان طالباً في كلية التربية الرياضية. غير أن اندلاع الاحتجاجات في سوريا عام 2011 دفعه، مع مجموعة من شبان الحي، إلى الانخراط في العمل الإعلامي لتوثيق ما كان يحدث في الشوارع والساحات.

يقول محير في حديثه لـ مؤسسة جولان الإعلامية إن البداية كانت بسيطة للغاية، حيث اعتمد النشطاء على هواتف محمولة بدائية لتصوير المظاهرات ونقل الأخبار، قبل أن يتطور العمل لاحقاً إلى نشاط إعلامي أكثر تنظيماً داخل الحي.

اجتماع في غرفة صغيرة

يتذكر محير أول اجتماع فعلي جمع عدداً من النشطاء الإعلاميين في بابا عمرو، موضحاً أنه جرى داخل منزل بسيط في الحي. ويقول:
“اجتمعنا في غرفة صغيرة، كنا خمسة أو ستة أشخاص فقط. لم يكن هناك جدول عمل أو قيادة واضحة، كان هناك شعور واحد فقط: أن ما يحدث في الحي يجب أن يصل إلى العالم.”

ويضيف أن الثقة بين النشطاء كانت تُبنى على المعرفة الشخصية والعلاقات القديمة بين أبناء الحي، إذ إن معظمهم يعرف بعضه منذ الطفولة أو الدراسة. ومع ذلك، ظل الخوف حاضراً في كل اجتماع، وكانوا يتحدثون بصوت منخفض ويتجنبون لفت الانتباه، إدراكاً منهم أن أي خطأ قد يؤدي إلى اعتقالهم.

نقل الأخبار بوسائل بسيطة

في تلك الفترة لم تكن وسائل الاتصال المشفرة متاحة، لذلك اعتمد النشطاء على طرق بدائية لنقل المعلومات. يوضح محير أنهم استخدموا رسائل قصيرة وحسابات فيسبوك بأسماء مستعارة، وأحياناً كان الخبر يُنقل شفهياً عبر أشخاص موثوقين. كما لجأوا إلى استخدام كلمات عادية تحمل معاني مختلفة، بحيث تشير بعض العبارات اليومية إلى موعد مظاهرة أو مكان تجمع، في محاولة لتجنب كشف النشاط من قبل الأجهزة الأمنية.

أسماء حركية للحماية

خلال نشاطه الإعلامي استخدم رضوان محير أكثر من اسم حركي، من بينها “أبو يزن الحمصي” و”رضوان الحمصي” و”قيس الحصني”. ويقول إن الهدف من هذه الأسماء كان تقليل المخاطر الأمنية، موضحاً أن الاسم المستعار كان يمنح الناشط قدراً من الحماية له ولعائلته. لكنه يشير في الوقت نفسه إلى الشعور الغريب الذي يرافق ذلك، حيث يعيش الشخص حياتين مختلفتين: حياة باسمه الحقيقي بين عائلته، وأخرى باسمه الحركي في العمل الثوري.

عندما يصبح الخبر شخصاً تعرفه

من أصعب اللحظات التي يذكرها محير أثناء عمله الإعلامي توثيق استشهاد أشخاص يعرفهم عن قرب. ويقول:
“الأمر يختلف عندما يتحول الخبر إلى صديق أو جار. حين تكتب عن استشهاد شخص تعرفه وتستحضر ملامحه وضحكته وآخر لقاء جمعكما، يصبح العمل مؤلماً للغاية.”

الأجهزة… الوسيلة الوحيدة لنقل الحقيقة

الكاميرات وأجهزة الحاسوب والإنترنت الفضائي كانت بالنسبة للنشطاء الوسيلة الوحيدة لإيصال ما يجري في الحي إلى الخارج. لهذا السبب كانوا يحرصون على إخفائها في أماكن مختلفة داخل المنازل، أو نقلها بسرعة من مكان إلى آخر عند أي احتمال لمداهمة أمنية. ويشير محير إلى أن فقدان جهاز واحد كان يعني أحياناً ضياع مواد إعلامية جُمعت خلال أيام أو أسابيع.

تنسيق الشعارات

يؤكد محير أن شعارات المظاهرات في حمص، وخصوصاً في بابا عمرو، لم تكن عفوية بالكامل. ففي بعض الأحيان كان النشطاء يجتمعون قبل يوم الجمعة لمناقشة الأفكار العامة للشعارات واللافتات. وكان بعض الشبان يمتلكون قدرة خاصة على صياغة عبارات تجمع بين الرسالة السياسية والبعد الإنساني.

تنظيم المظاهرات …مسؤولية ثقيلة

تنظيم المظاهرات حمل مسؤولية كبيرة بالنسبة للنشطاء، إذ إن اختيار مكان التجمع أو مساره قد يحدد مصير مئات المشاركين.

ويقول محير إنهم كانوا يحاولون اختيار أماكن توفر بعض الأمان أو تسمح بالانسحاب السريع في حال إطلاق النار، لكن المخاطر بقيت قائمة في جميع الأحوال.

هاجس المخبرين

الخوف من وجود مخبرين كان هاجساً دائماً لدى النشطاء، لذلك كانوا يحرصون على تقليل عدد الأشخاص الذين يطلعون على تفاصيل أي نشاط.

ورغم أن الشك كان يتسلل أحياناً حتى بين الأصدقاء، فإن الثقة التي نشأت بين أبناء الحي لعبت دوراً مهماً في استمرار العمل.

مواد ضاعت مع الوقت

يشير محير إلى أن كثيراً من الصور ومقاطع الفيديو التي وثقها النشطاء في تلك الفترة لم تعد موجودة اليوم، بسبب القصف أو المداهمات أو تلف الأجهزة.

ويقول إن تلك المواد كانت تحتوي على لحظات إنسانية مهمة من حياة الناس في الحي خلال تلك المرحلة.

نهاية مرحلة

مع تطور الأحداث في سوريا وتعقّد المشهد العسكري والسياسي، تراجع دور التنسيقيات المدنية التي لعبت دوراً محورياً في بدايات الحراك.

ويصف محير تلك المرحلة بأنها كانت مليئة بالمخاطر، لكنها أيضاً حملت قدراً كبيراً من الأمل لدى الشباب الذين شاركوا فيها.

رسالة إلى الجيل الجديد

وفي ختام حديثه لـ مؤسسة جولان الإعلامية، يوجه رضوان محير رسالة إلى الجيل الجديد قائلاً:

“لم نكن أبطالاً خارقين، ولم نكن محترفين في الإعلام أو التنظيم. كنا شباباً عاديين نحاول أن نوثق الحقيقة ونحافظ على صوت الناس. في تلك الغرف الصغيرة كنا نتعلم ونخطئ ونصحح أخطاءنا، وكل ما أردناه أن لا تضيع الحقيقة وسط الخوف والصمت.”

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top