كذبة الحضارة الفارسية العظيمة (الصورة نقلا عن صفحة الكاتب خلف علي الخلف)

في النقاشات التاريخية والثقافية في العالم العربي، كثيراً ما تتكرر عبارة “الحضارة الفارسية العظيمة” بوصفها حقيقة مستقرة في الوعي العام. غير أن بعض الباحثين يدعون إلى إعادة النظر في هذه المسلّمات التاريخية، وفحصها بعيداً عن التكرار الشائع في الكتب المدرسية أو السرديات المتداولة. ومن بين هذه الأصوات الباحث والكاتب السوري خلف علي الخلف، الذي يقدّم قراءة نقدية للتاريخ الإمبراطوري المنسوب إلى فارس، محاولاً تفكيك العلاقة بين السلطة السياسية والإنتاج الحضاري الفعلي.

يرى الخلف أن وصف الإمبراطوريات القديمة مثل الأخمينية والبارثية والساسانية بأنها “حضارات فارسية” بالمعنى الحضاري والثقافي الكامل يحتاج إلى مراجعة. فهذه الكيانات، بحسب قراءته، كانت في الأساس إمبراطوريات توسعية قوية حكمت مناطق واسعة من الشرق الأدنى، بما في ذلك بلاد ما بين النهرين ومصر وأجزاء من الأناضول وآسيا الوسطى. لكن القوة العسكرية والسياسية – في رأيه – لا تعني بالضرورة إنتاج حضارة مستقلة بذاتها.

ويشير إلى أن كثيراً من البنى الإدارية والمعرفية في تلك الإمبراطوريات اعتمدت على إرث الحضارات الأقدم في المنطقة، ولا سيما حضارات بلاد ما بين النهرين التي سبقتها بقرون طويلة. ففي مجال الإدارة والكتابة، استُخدمت لغات المنطقة مثل الأكادية ثم الآرامية في الدواوين والمراسلات الرسمية، وهو ما يراه دليلاً على أن البنية الثقافية والإدارية للإمبراطورية كانت امتداداً لتقاليد حضارية أقدم.

كما يلفت الخلف إلى أن تسمية تلك الإمبراطوريات بـ“الفارسية” جاءت في جزء كبير منها من المؤرخين اليونانيين والكتابات الغربية اللاحقة، الذين نسبوا الإمبراطورية إلى موطن السلالة الحاكمة في فارس، لا إلى طبيعة الإنتاج الحضاري أو الثقافي الذي نشأ داخلها. ومن هذا المنظور، يرى أن كثيراً من الإنجازات التي تُنسب إلى “الحضارة الفارسية” هي في الواقع استمرار أو تطوير لتراث حضارات المنطقة التي خضعت لحكم تلك الإمبراطوريات.

وفي سياق حديثه عن اللغات القديمة المرتبطة بتلك العصور، يشير إلى أن اللغات المنسوبة إلى تلك الإمبراطوريات – مثل ما يُعرف بالفارسية القديمة أو البهلوية – لم تترك، بحسب قراءته، تراثاً علمياً أو فلسفياً واسعاً يمكن مقارنته بما تركته لغات حضارية أخرى في المنطقة، مثل السومرية أو الأكادية، اللتين خلّفتا آلاف النصوص والألواح الطينية التي ما تزال حتى اليوم مصدراً أساسياً لدراسة تاريخ العلم والقانون والأساطير في الشرق القديم.

كما يلاحظ أن كثيراً من الإنجازات العمرانية أو الإدارية في تلك الإمبراطوريات قامت على تبنّي نظم وممارسات حضارية سبقتها، وهو ما يعدّه جزءاً من طبيعة الإمبراطوريات الكبرى التي غالباً ما تبني مؤسساتها على إرث المناطق التي تخضع لها.

ويخلص الخلف إلى أن الإسهام الحضاري الأبرز للفرس ظهر في مرحلة لاحقة، داخل إطار الحضارة العربية الإسلامية، حيث لعب العلماء والمفكرون من أصول فارسية دوراً مهماً في تطور العلوم والفلسفة والآداب، وأسهموا في بناء أحد أهم العصور الحضارية في تاريخ المنطقة.

وتبقى هذه القراءة واحدة من القراءات النقدية التي تسعى إلى إعادة طرح أسئلة قديمة حول مفهوم الحضارة في تاريخ الشرق القديم: هل تُنسب الحضارة إلى الشعوب التي تنتج المعرفة واللغة والعلوم، أم إلى الإمبراطوريات التي تحكم تلك الشعوب؟ وهو سؤال ما يزال مفتوحاً للنقاش بين المؤرخين والباحثين حتى اليوم.

عن الكاتب:

وُلد خلف علي الخلف عام 1969 في قرية خنيز محمد الخلف بمحافظة الرقة السورية. درس الاقتصاد في جامعة حلب، وبرز اسمه منذ تسعينيات القرن الماضي في الصحافة العربية والكتابة الفكرية والسياسية. أسّس مشاريع ثقافية وإعلامية مستقلة، وتعرّض لملاحقات أمنية من النظام السوري السابق بسبب مواقفه، ما اضطره إلى مغادرة سوريا والاستقرار في السويد.واصل هناك دراساته العليا في فلسفة الصحافة والعلوم الإنسانية الرقمية، وصدرت له أعمال شعرية وفكرية ومسرحية، إضافة إلى روايته التاريخية “الحرّاني” التي تناول فيها تاريخ مدينة حرّان وإرثها الحضاري.

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top