كتائب تابعة للحشد الشعبي مواقع التواصل

بعد أكثر من عشر سنوات على ظهوره في خضم انهيار أمني غير مسبوق، تحوّل الحشد الشعبي من قوة تعبئة طارئة إلى أحد أكثر الفاعلين تأثيراً في المشهد العراقي. نشأته ارتبطت بلحظة قلق وجودي عاشها العراق عام 2014، حين اندفعت تشكيلات مسلحة إلى الميدان تحت شعار الدفاع عن الدولة والمجتمع. السنوات التي تلت تلك اللحظة صنعت واقعاً مختلفاً تماماً.. فقد تمدد هذا التشكيل تدريجياً داخل بنية الدولة، واكتسب نفوذاً سياسياً وأمنياً واسعاً، ونسج علاقات إقليمية معقدة جعلت تأثيره يتجاوز الحدود العراقية. الحديث عن الحشد الشعبي اليوم يتجاوز كونه توصيفاً لوحدة عسكرية، ويقترب أكثر من قراءة ظاهرة سياسية وأمنية أعادت تشكيل موازين القوة في العراق، وتركت آثارها في معادلات المنطقة بأسرها.
 
ظهر الحشد الشعبي عام 2014 في لحظة انهيار أمني كبير عندما سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على مساحات واسعة من البلاد. حينها صدرت فتوى «الجهاد الكفائي» من مرجعية النجف، فاندفع آلاف المتطوعين إلى حمل السلاح. في تلك اللحظة بدا الأمر استجابة شعبية لحماية بلد يوشك على السقوط. قوة طوارئ نشأت تحت ضغط الخطر، واستطاعت بالفعل أن تشارك في صد تقدم التنظيم المتطرف في أكثر من جبهة.
 
لكن ما بدأ كقوة مؤقتة تحوّل خلال سنوات قليلة إلى مؤسسة عسكرية ضخمة تضم عشرات الفصائل، بعضها أقرب إلى ميليشيات عقائدية مرتبطة بطهران منه إلى وحدات عسكرية خاضعة بالكامل للدولة العراقية. ومع مرور الوقت لم يعد الحشد الشعبي مجرد قوة عراقية تقاتل داخل العراق، فقد أصبح جزءاً من شبكة النفوذ الإقليمي التي يديرها الحرس الثوري الإيراني.
 
في هذا السياق، لم يقتصر دور فصائل الحشد على الداخل العراقي. منذ سنوات الحرب السورية الأولى ظهرت وحدات منه تقاتل داخل سوريا إلى جانب قوات النظام، في معارك من حلب إلى البادية السورية. خلال تلك المرحلة ارتبط اسم هذه الفصائل بسلسلة واسعة من الاتهامات والجرائم وعمليات نهب وتهجير قسري، إلى انتهاكات بحق المدنيين في المناطق التي دخلتها. بالنسبة لكثير من السوريين، لم ينظر إلى وجود هذه الميليشيات على أنه مشاركة في قتال تنظيمات متشددة، فقد ظهر حضورها بوصفه اقتحاماً فظّاً لميليشيات عابرة للحدود جاءت لتصفية حسابات إقليمية على أرض ليست أرضها. مقاتلون بلا رحمة، وبلا صلة بأهل البلاد، يتقدمون تحت رايات مذهبية وشعارات مستوردة، ويتركون خلفهم مدناً محروقة وبيوتاً مدمرة. وبالنسبة لضحايا تلك السنوات، لم يكن المشهد مواجهة عسكرية عادية؛ كان ظهور قوة لا ترى في الإنسان سوى هدف، و أرضه ساحة نفوذ، و دمه ثمن رخيص في حرب لا تعني أصحابها.
 
داخل العراق نفسه، توسعت الظاهرة بطريقة أخرى. فبعض الفصائل تحولت مع الوقت إلى قوة اقتصادية وأمنية موازية للدولة. معابر حدودية، شبكات تهريب، نفوذ سياسي واسع، واتهامات متكررة بالسيطرة على موارد مالية خارج الرقابة الرسمية. في السنوات الأخيرة كثرت التقارير المحلية التي تتحدث عن تورط شبكات مرتبطة بفصائل مسلحة في تجارة المخدرات وتهريبها، إضافة إلى نشاطات مرتبطة بالدعارة المنظمة وغسل الأموال. هذه الاتهامات لم تبقى همسات في الشارع العراقي، لأنها أصبحت جزءاً من النقاش العام حول مستقبل الدولة نفسها.
 
ولم تبق هذه الظاهرة محصورة في العراق. فالفصائل المرتبطة بطهران أصبحت جزءاً من شبكة نفوذ تمتد عبر أكثر من بلد: في لبنان عبر حزب الله، وفي اليمن عبر الحوثيون، وفي سوريا عبر تشكيلات عسكرية متعددة قاتلت هناك طوال سنوات الحرب. هذه الشبكة، بحسب كثير من النقاد في المنطقة، لم تنتج استقراراً بقدر ما ساهمت في إطالة أمد الصراعات وتعقيدها.
 
وسط هذا المشهد المتشابك، تتزايد في الأيام الأخيرة تسريبات وتحليلات تتحدث عن احتمال تصعيد عسكري ضد مواقع تابعة للحشد الشعبي. بعض هذه التقديرات يذهب أبعد من ذلك، متوقعاً أن تشهد الأيام الأولى من الأسبوع المقبل ضربات قد تقودها الولايات المتحدة ضد مواقع لفصائل مسلحة مرتبطة بإيران داخل العراق، في إطار محاولة لاحتواء نفوذها أو إعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.
 
الميليشيات التي تتحول إلى شبكة نفوذ سياسية وعسكرية واقتصادية لا تموت بسهولة، لكن الحشد الشعبي تجاوز حدود كونه مجرد قوة قتالية ليصبح آفة متغلغلة في مفاصل الدولة والمجتمع، حاملاً الخراب والدمار والفساد أينما حل.  اصبح رمزاً للفساد والعنف، وأداة لتدمير سوريا وتشويه العراق، ومنبر للابتزاز والسيطرة. أي ضربة ممكنة قد تقصقص أجنحته، لكنها لن تمحو دنسه إلا إذا تضافرت الإرادة الحقيقية لإنهائه، وأن تستعيد الدولة العراقية سيادتها وتعود القوة إلى أيدي من يستحقها، وتُنهي فصل الظلام الذي جلبته هذه الميليشيات على شعوب المنطقة. الوقت يقترب للحظة الحساب، والكل يترقب: هل سيبقى هذا الوحش حيّاً، أم أن العدالة ستسقطه أخيراً من جذوره؟

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top