بلدة بئر عجم في محافظة القنيطرة تصوير خالد زوروم

من بين القرى الصغيرة التي بقيت صامدة على هضبة الجولان، تبرز بئر عجم ليس فقط بجمال طبيعتها وذاكرة أهلها، بل أيضًا لأنها أنجبت واحدًا من أبرز المفكرين الإسلاميين المعاصرين: جودت سعيد (1931–2022)، الذي لُقّب بـ غاندي العرب ودعا إلى التغيير السلمي و اللاعنف، مؤكداً أن الإصلاح يبدأ من الداخل وأن العلم والمعرفة هما الطريق إلى النهضة.
إن ولادته في هذه البلدة الشركسية العربية جعلت من بئر عجم رمزًا يجمع بين الأرض والفكر، بين الجذور المحلية والرسالة الإنسانية العالمية.

النشأة والجذور:

تقع بئر عجم في محافظة القنيطرة على هضبة الجولان السورية، وتتبع لها قرى بريقة ورويحينة ورسم الحلبي وزبيدة.
تأسست عام 1872م حين شُيّدت أولى منازلها لتستقبل نحو 150 شخصاً من أبناء قبائل الأبزاخ الشركسية الذين هُجّروا من القفقاس، وانضم إليهم لاحقاً القبرتاي (القبردي) إلى جانب عشائر عربية محلية، ليشكلوا مجتمعاً متنوعاً حمل معه ذاكرة الجبال القفقاسية وروح الأرض السورية.

الموقع والمعالم:

تقع القرية عند خط طول 35°52′1.62″ شرق غرينيتش وخط عرض 33°3′11.68″ شمال خط الاستواء، ويصلها بدمشق طريق يبلغ طوله نحو 68 كم.
في قلبها يرتفع المسجد القرميدي القديم على علو 942 متراً عن سطح البحر، وهو من أوائل المساجد التي بُنيت في القنيطرة، شاهداً على إصرار الأهالي على غرس جذورهم في الأرض. تضم البلدة مركزًا صحيًا ومدرسة ابتدائية وإعدادية، وتبعد عن أقرب شواطئ البحر الأبيض المتوسط نحو 60 كم غربًا.

المناخ والطبيعة:

يتسم مناخ بئر عجم بشتاء بارد وصيف معتدل، مع معدل هطل مطري يقارب 1000 ملم سنوياً. تحيط بها الأحراش شمالًا وجنوبًا وغربًا، بينما يفتح الشرق على وادي الرقاد. في غاباتها تنتشر أشجار البلوط والسنديان والبطم والزعبوب، إلى جانب الخوخ والإجاص البري. أما الحياة البرية فتزخر بالثعالب وابن آوى والخنازير البرية والغربراء، وتتنوع الطيور بين البوم والهدهد والسنونو والبلبل والدوري والورور. ومع ذلك، فإن هذا التنوع الحيوي يتعرض لتناقص مستمر بفعل تقلص الغطاء النباتي وتوسع النشاط البشري، مما يهدد باندثاره.

المجتمع واللغة:

غالبية سكان القرية من الشركس، ولا يزال الكبار يتحدثون اللغة الشركسية، لكن الأجيال اللاحقة بدأت تفقدها تدريجياً لصالح اللغة العربية. إلى الجنوب منها تقع قرية بريقة، وهما القريتان الشركسيتان الوحيدتان الباقيتان في الجولان بعد أن دُمرت القرى الشركسية الأخرى إثر الاحتلال الإسرائيلي.

في عام 1967م، ومع الاحتلال الإسرائيلي للجولان، هجرت القرية نحو عشر سنوات ثم عاد بعض أهلها بعد تحرير جزء من الجولان في (حرب تشرين) عام 1973م، لكن الاستقرار الفعلي لم يبدأ إلا في أواخر السبعينات. وفي عام 1986م، بُنيت منازل جديدة شمالي القرية لتشجيع العودة، إلا أن نصف البيوت القديمة بقيت مهجورة، وكثير من البيوت الجديدة ظل بلا سكان. ومع ذلك، ظلّت بئر عجم رمزًا للصمود والذاكرة الحية للفكر والحضارة.

الزراعة والإنتاج الحيواني:

يعتمد الأهالي على الزراعة وتربية الحيوان كمصدر رئيسي للعيش. تنتشر زراعة الزيتون والعنب واللوزيات، فيما تشكل الأبقار مصدر دخل أساسي لكثير من الأسر، إلى جانب الأغنام والدواجن. كما تشتهر القرية بتربية النحل، حيث يملأ العسل الطبيعي موائد الأهالي، ليكون رمزاً آخر لعلاقة الإنسان بالطبيعة.

التنمية والبرامج الصحية:

أُدرجت بئر عجم وبعض القرى المجاورة ضمن برنامج القرى الصحية التابع لوزارة الصحة في دمشق، برعاية منظمة اليونسيف، بهدف تحسين الخدمات وتطوير البنية التحتية. وقد شمل البرنامج دعماً في التنسيق والتوجيه والاستشارة، إضافة إلى قروض صغيرة ساهم فيها صندوق فردوس للتنمية، لتشجيع الأهالي على الاستثمار في مشاريع محلية تعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

خاتمة:
بئر عجم ليست مجرد قرية صغيرة على سفوح الجولان، بل هي شاهد حيّ على تلاقي الأرض والفكر، التراث والنهضة. فمن بين بيوتها البسيطة خرج المفكر الإسلامي جودت سعيد ليحمل رسالة اللاعنف والإصلاح، وفي ذات الوقت، بقيت أشجار الزيتون والعنب واللوزيات، ومواسم العسل والقمح، شاهدة على أصالة التراث الذي صاغ هوية أهلها عبر الأجيال.

هكذا تتجسد “بئر عجم” في الذاكرة كرمز مزدوج: أرضٌ تحفظ جذورها رغم التهجير، وفكرٌ يفتح أبواب المستقبل بالوعي والمعرفة. إنها البلدة التي جمعت بين صمود الطبيعة وعمق الإنسان، لتبقى عنوانًا لأصالة التراث وخلود الفكر.

  • أ. بلال محمد الشيخ

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top