في تطور لافت على مسار الصراع العربي–الإسرائيلي، كشفت التقارير المتطابقة عن المفاوضات الأمنية المباشرة بين سوريا وإسرائيل في العاصمة الفرنسية باريس، برعاية أمريكية. ورغم أن هذه المفاوضات لا تزال محاطة بقدر كبير من الغموض والتكتم، فإن مجرد انعقادها يعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة التواصل بين الطرفين، ويفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول أهدافها وحدودها وتداعياتها المحتملة.
بحسب المعطيات المتداولة، يتركز الاتفاق المطروح على ترتيبات أمنية وتقنية، أبرزها إنشاء آلية تنسيق أو قناة اتصال دائمة بإشراف أمريكي، تهدف إلى خفض التصعيد وضبط الوضع الميداني، لا سيما في الجنوب السوري. ولا تشير المؤشرات الحالية إلى أن هذه المفاوضات تتناول قضايا سياسية كبرى، مثل الجولان السوري المحتل أو التوصل إلى اتفاق سلام شامل، ما يعزز فرضية أنها تأتي في إطار “إدارة الصراع” لا حله.
الدور الأمريكي في هذا السياق يبدو محوريًا. فالولايات المتحدة تسعى، من خلال رعايتها لهذه المفاوضات، إلى تحقيق جملة من الأهداف المتداخلة، في مقدمتها تعزيز أمن إسرائيل ومنع فتح جبهة شمالية جديدة، في ظل بيئة إقليمية شديدة الهشاشة. كما تهدف واشنطن إلى تثبيت موقعها كوسيط أساسي في أي ترتيبات أمنية تخص سوريا، خصوصًا مع تعقّد المشهد الدولي وتعدد الفاعلين المؤثرين فيه.
من الجانب السوري، تأتي المشاركة في هذه المفاوضات في سياق ضاغط ومعقد. فدمشق، التي تواجه تحديات اقتصادية وأمنية كبيرة، قد ترى في هذا الاتفاق فرصة لتخفيف التوتر العسكري، وتقليص احتمالات الضربات الإسرائيلية، وخلق هامش أوسع لإعادة ترتيب أولوياتها الداخلية. غير أن هذا المسار لا يخلو من مخاطر سياسية، في ظل حساسية أي تواصل مباشر مع إسرائيل، وبقاء القضايا السيادية الكبرى خارج إطار التفاوض.
أما إسرائيل، فتتعامل مع هذه المفاوضات من منظور أمني بحت، ينسجم مع استراتيجيتها التقليدية القائمة على فصل المسار الأمني عن المسار السياسي. فبالنسبة لها، يوفر الاتفاق المحتمل أداة إضافية لضبط الحدود الشمالية، ومنع انتقال التهديدات، دون الالتزام بتنازلات سياسية قد تكون مكلفة داخليًا.
على المستوى الإقليمي، لا يمكن فصل هذه المفاوضات عن سياق أوسع يشهد إعادة تشكيل للتحالفات، ومحاولات لاحتواء بؤر التوتر عبر ترتيبات مرحلية. وفي هذا الإطار، قد يُنظر إلى اتفاق باريس بوصفه جزءًا من مسار تهدئة مؤقتة، أكثر منه مقدمة لتسوية تاريخية.
خلاصة القول، إن الاتفاق الأمني السوري–الإسرائيلي، إن تم تثبيته، لا يشكل اختراقًا جذريًا في مسار الصراع، بل يعكس مقاربة واقعية فرضتها موازين القوى والضغوط الدولية. هو اتفاق لإدارة الاستقرار الهش، لا لصناعة سلام دائم، وستبقى فعاليته مرهونة بمدى قدرته على الصمود أمام المتغيرات السياسية والميدانية، وبما إذا كان سيفتح لاحقًا الباب أمام معالجة جذور الصراع، لا الاكتفاء بتسكين أعراضه.






