بلدة بيت جن في ريف دمشق الغربي

لم يكن ما جرى اليوم في بيت جن مجرد حادث أمني عابر، بل صفعة جديدة تحاول دولة الاحتلال أن تختبر بها صبر السوريين. اقتحام غبي، واستفزاز لشعب خرج من النار ولن يخاف دخانها، وهذا سلوك يعيد إسرائيل دائمًا إلى حقيقتها القديمة: دولة لا تفهم إلا لغة القوة، ولا تستوعب أن الشعوب حين تُهان.. لا تعود كما كانت ولا تنحني، بل تخزن الغضب كقنبلة موقوتة. وقوتها لا تُقاس بالرصاص، بل بما تخزنه من آلام ومن وجع.

والمثير للاشمئزاز أن تل أبيب ما زالت تتصرف وكأن سوريا ذلك البلد الممزق الذي يمكن العبث به دون أن يرد أحد على حماقاتها. لا تريد أن تفهم أن السوري الذي كسر خوفه، وأسقط نظامًا جثم فوق صدره نصف قرن، لن يخاف من جيش مهما كان قويًا. هذا الشعب ما عاد يسكت على الظلم. وهذا ما لا يفهمه نتنياهو الأحمق الذي يعتقد نفسه المخلّص المرسل من عند الله، الرجل الذي يشعل الحرائق ليداري تورطه في أزماته الداخلية.

لكن الأغرب، أن دولة الاحتلال الإسرائيلي تتصرف وهي لا ترى شيئًا يتشكل أمامها: وعي جديد ممزوج بالكره والغل تجاهها، وغضب يتخمّر، وشعب يعيش لحظة فارقة، وكل اعتداء، وكل اقتحام، وكل رصاصة، وكل إذلال يتحول إلى وقود ونار. هي لا تعرف أنها تدفع السوريين كأمواج تسونامي نحو مقاومة شعبية ستصبح واقعًا لا يمكن لأي قوة في العالم إيقافها.

من قال إن العين لا تقاوم المخرز؟ في بيت جن، رأينا العكس. رأينا أن المخرز قد ينثني أمام عين تعرف معنى الكرامة. رأينا رجالًا ونساءً وشبابًا يقفون كما لو أن الأرض نفسها استعادت صوتها. هؤلاء ليسوا مجرد سكان بل طليعة وطن لم يعد يقبل الإهانة. بيت جن اليوم لم ترفع رأسها فقط.. بل رفعت صوتًا يقول للعالم كله: نحن لسنا سكانًا. نحن أرض في شكل بشر.

ونحن أبناء سوريا، نعرف هذه اللغة جيدًا.. لغة الكرامة حين تتكلم بلا مكبرات للصوت. والرسالة اليوم يجب أن تكون واضحة، سواء لإسرائيل أو للعالم بأسره:

السوريون الذين خرجوا اليوم بمظاهرات النصر بعد سقوط النظام، وبذكرى معركة ردع العدوان المجيدة، قادرون أن يخرجوا مرة أخرى في معركة زحف تجتاز الحدود وتصل إلى قلب فلسطين بساعات معدودة.. لكن هذه المرة بهتاف واحد وصوت واحد: الجولان بوابة التحرير. وأنا هنا لا أدعو الناس إلى التهور أو مغامرات بلا عقل، بل أدعوهم إلى وعي.

وعي بأن المواجهة ليست حجارة وبنادق فقط. وعي بأن الاحتلال الصهيوني يخشى شيئًا واحدًا: شعبًا موحدًا، يقف في وقت واحد، وبمكان واحد، ويهتف بصوت واحد.

تَصوّروا المشهد فقط:

المظاهرات التي تخرج اليوم احتفالًا بالنصر والتحرر، تخرج أيضًا في وجه الاحتلال. أعلام سوريا الحرة إلى جانب لافتات تقول: إن انفجر غضبنا.. فلن توقفونا، والطريق مفتوح حين نقرر نحن. لا توجد قوة في العالم تستطيع أن تواجه شعبًا يتحرك كله دفعة واحدة. لا جيش، ولا حكومة، ولا حلفاء، ولا حتى آلاف الدبابات والطائرات.

وليعرف الأَمَعَة نتنياهو، ومن معه، أن اللعب بالنار قد يشعل ما لا قدرة لهم على إطفائه.

فالشعب السوري الذي صمد وحده، تحت السماء المفتوحة، وبلا حماية ولا سند، هو الشعب نفسه الذي يملك اليوم شجاعة أكثر من كل حساباتهم. هذا الشعب ليس مجرد رقم، وليس مجرد حدود، إنه كتلة غضب لو تحركت لن تُبقي ولن تذر.

تحية إلى بيت جن.. تحية لرجالها ونسائها وشبابها، وتحية لشموخهم وكرامتهم.. وتحية منا نحن أبناء الجولان، الذين نعرف معنى الاحتلال كما نعرف معنى الكرامة.

نصر قريب.. وتحرير لا بد أن يأتي.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top